عودة إلى الصفحة الرئيسية

ملاحظات إلى المؤتمر السنوي الثامن عشر للهيئات الشرعية أ.د كمال حطاب

مما لا شك فيه أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تدين بوجودها واستمرارها إلى الجهات والهيئات الشرعية ، التي استمدت منها مشروعية أعمالها وعقودها وتعاملاتها وكافة ما تقوم به من خدمات مصرفية وتمويل وعقود .. إلخ ، ولولا موافقة ومباركة هذه الهيئات الشرعية لما كتب للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية النجاح والازدهار والانتشار على مستوى العالم .
ومما لا شك فيه أن هذه الجهات الشرعية التي كانت سببا في وجود البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أضحت في الوقت الحاضر هي الحلقة الأضعف في جسم الصناعة المالية الإسلامية ، فهي الجهة التي لا يلتفت إلى قراراتها في الحقيقة إلا للتكميل والتزيين والتحليل ، وهذا التراجع في قوة الجهات الشرعية مستمر ومتزايد ، وبالتالي فإنه لا يتوقع من الجهات الشرعية مستقبلا التغيير الكبير أو التأثير القوي في الصناعة المالية الإسلامية ..
إن هذا الوضع المؤسف يمكن أن يستمر إلى عقود طويلة ما لم تحدث تغيرات هيكلية أو طفرات مفاجئة في بنية الجهات الشرعية ومن يمثلها من مؤسسات داعمة للمعايير الشرعية تؤدي في النهاية إلى استقلالية القرار الشرعي .
إن قيام بعض البنوك المركزية بإنشاء هيئات رقابة شرعية مركزية هي خطوة أولى في الاتجاه الصحيح من أجل تقوية مركز الهيئات والجهات الشرعية .
كما أن صدور قرارات من الجمعيات العمومية باعتبار الهيئات الشرعية محصنة ضد العزل من قبل المدراء التنفيذيين أو مجالس الإدارة إلا بعد الحصول على موافقة الأغلبية في الجمعية العمومية يزيد في قوة قرارات الهيئات الشرعية .
ومن جهة أخرى فإن زيادة قوة الهيئات الشرعية يستلزم زيادة مهنيتها وشفافيتها ، وزيادة وضوح العلاقات القانونية بينها وبين المؤسسات المالية الإسلامية ، فلا بد من الاتفاق على معايير مهنية لاختيار أعضاء الهيئات الشرعية ، ولا بد من عقود قانونية عادلة تنظم علاقاتها بالبنوك والمؤسسات التي يتعاملون معها ، ولا بد من وصف وظيفي تفصيلي للأعمال التي يقومون بها ، فلم تعد التقارير المختصرة التي تشهد بأن أعمال المؤسسة أو البنك موافقة للشريعة الإسلامية كافية أو مقبولة ، ولم يعد القول بوجود بعض الأخطاء والمخالفات التي طلب تصحيحها كافيا أو مقبولا ، ما لم توجد متابعة وتصحيح حقيقي تقوم به هذه الهيئات أو من تنيبه عنها ..
لا بد من إعلان وإشهار للمزايا والمكافآت التي يتقاضاها عضو الهيئات الشرعية ، وهل يكون ذلك شهريا أو سنويا ؟ وهل هو مرتبط بعدد الاجتماعات في السنة أو بعدد التوقيعات أو غير ذلك ..
لماذا لم تظهر مثل هذه المعلومات في أي دراسة أو تقرير ما دمنا نعيش في عصر الشفافية ؟ وهل في هذه المعلومات ما يعيب الهيئات الشرعية حتى يتم إخفاؤها ؟ أم أن المسألة تكمن في انعدام المهنية والمعايير، مما يؤدي إلى أن يبقى أعضاء الهيئات الشرعية واقعين تحت كرم المدراء التنفيذين ومجالس الإدارات ، وبالتالي فلن يعترض أي منهم مهما كانت المكافآت ضئيلة ، انطلاقا من مبدأ التعفف أو العمل في سبيل الله أو الثواب الأخروي ..
ومن الواضح أن مثل هذه الأوضاع لن تزيد الجهات الشرعية إلا ضعفا على ضعف ما دامت معاييرهم تقوم على الاستحياء أو التعفف أو التوكل على الله ..
إن مسألة تمهين الرقابة الشرعية أو توصيف مهنة الرقابة الشرعية من المسائل المهمة جدا في وقتنا الحاضر ، فهذا التوصيف الوظيفي القانوني يحمي أصحاب هذه المهنة من أنفسهم أولا ومن المؤسسات التي يعملون بها ، كما أنه يضمن لهم حقوقهم المادية والمعنوية .
إن وجود نقابات مهنية للمراقبين الشرعيين سوف يحمي حقوقهم المادية والمعنوية ، ويعزز مراكزهم القانونية في المجتمع ، ويدفع عنهم شبهات استفراد أصحاب البنوك ومجالس الإدارة والمدراء التنفيذيين بهم ، كما يدفع عنهم التهمة الأكثر انتشارا وهي تهمة احتكار الرقابة الشرعية .

أكتب رداً:

You must be logged in to post a comment.

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]