عودة إلى الصفحة الرئيسية

نماذج وقفية تنتظر الإحياء أ.د كمال توفيق حطاب أيار 2010

29 May 2010


تشهد الوثائق الوقفية على تنوع مجالات الوقف في التاريخ الإسلامي إلى أشكال عديدة لم يعد لها وجود في عصرنا الحاضر ، مما يعني وجود فرص وقفية إسلامية تتطلب الإحياء وتستنهض الغيورين من المسلمين أفرادا ومصارف ومؤسسات مالية إسلامية ، من أجل القيام بهذا العمل ، وتطوير منتجات مالية إسلامية وقفية لتلبية هذه المجالات ، مما يزيد من البعد الإنساني والاجتماعي لهذه المؤسسات ، ويعمل على تعزيز العلاقات الإنسانية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية : ومن أبرز هذه النماذج ما يلي :
– وقف الحليب : وهي الأحباس والعقارات التي وقفها أصحابها لينفق ريعها على الأمهات بإمدادهن بالحليب والسكر .
– وقف الزواج : وينفق ريع الأحباس على الفتيان والفتيات المعسرين بتزويجهم وتقديم المهور إليهن .
– وقف الحالات الخاصة : وينفق منه على المقعدين والعميان والعجزة والمرضى والزمنى برعايتهم ومدهم بكل أنواع المساعدة .
– وقف المساجين : وينفق منه على المساجين للتخفيف عليهم والإحسان إليهم وإلى ذويهم.
– وقف الأيتام : وينفق منه على اللقطاء والأيتام بالقيام بختانهم وتقديم ما يحتاجون إليه من إيواء وطعام وكسوة .
– وقف الصحون والأطباق : وينفق منه على الخدم تعويضا لهم عما يتلفونه من صحاف وأوان وأطباق .
– وقف الموتى : ينفق منه على الموتى من فقراء المسلمين بما يقدم إليهم من تجهيز وأكفان ، أو على المقابر بإيجاد المثوى الأخير لكل مسلم بعد وفاته .
– وقف الحيوانات : وينفق منه على الحيوانات بعلاجها وإطعامها والإحسان إليها فإن في كل نفس رطبة أجرا .
– الوقف العسكري : وينفق منه على المجاهدين ليحرسوا بلاد الإسلام من كل عدوان ، وصرفت لهم منه النفقات الوافرة ، وجهزوا بكل ما يحتاجون إليه من ذخيرة وطعام وشراب ، وأسلحة وخيول ونبال .
– وقف المنشدين : وينفق منه على الفرق الإنشادية التي تزور المستشفيات للتخفيف من آلام المرضى ومعاناتهم .
– الوقف الصحي : وجدت الأحباس والعقارات التي ينفق من ريعها على المشافي والبيمارستانات ، وعلى المعاهد الطبية داخل المستشفيات وعلى مراكز الأطباء ، إضافة إلى المطاعم والمطابخ لتقديم الأغذية الطبية ، والمساكن والغرف التي يسكنها الأطباء والعاملون في المستشفيات . ولقد وقف الملوك والأمراء والموسرون المحسنون والأطباء أنفسهم مستشفيات ومراكز صحية ، وخصصوا أحياء طبية ومدنا صحية ..الخ
جاء في كتاب الدكتورة الألمانية زيغريد هونكة ” شمس العرب تسطع على الغرب ” وصفا للمستشفيات الإسلامية في عهد هارون الرشيد من خلال عرض رسالة من مريض إلى أبيه يقول فيها ” أبتي الحبيب ، تسألني إن كنت بحاجة إلى نقود ، فأخبرك بأنني عندما أخرج من المستشفى سيعطونني ثوبا جديدا وخمسة قطع ذهبية حتى لا أضطر إلى العمل حال خروجي مباشرة .. مع العلم أنه لما أخذوني بعد سقوطي .. فحصني الطبيب ثم أخذني الممرض فحممني ، وألبسني ثيابا نظيفة ، هناك يا أبتي نمضي الوقت بالمطالعة المفيدة واليوم قال لي رئيس الأطباء إن بإمكاني النهوض صباحا والخروج من المستشفى معافى فإنني أكره ذلك ، لأن كل شيء هنا جميل ، الأسرة وثيرة ، وأغطيتها كالحرير وفي كل غرفة تجد الماء جاريا على أشهى ما يكون ، وفي الليالي القارسة تدفأ الغرف .. ”
يعقب د. الخوجة على هذه الأمثلة التاريخية بقوله ” تلك هي السمات الحضارية التي تنطق بها شواهد في تاريخ الإسلام في عصوره الأولى التأسيسية البناءة والذهبية ، وهي كلها وليدة النزعة الإنسانية المتغلغلة في أفراد الأمة الإسلامية ومجتمعاتها . وهي نزعة ظهرت في سائر المجتمعات الأخرى ، كما سمت وفاضت في مجتمعاتنا في تلك العهود بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة ، بل على كل من يعيش على الأرض من إنسان وحيوان ” .
إن هذه الأمثلة الناصعة في تاريخ المسلمين توضح بجلاء كيف عملت الأوقاف الإسلامية على زيادة التقدم والرفاهية ، ورفع مستوى المعيشة ,, إن وجود الأوقاف المختلفة في كافة الميادين والمرافق وأشكال البنية الأساسية في المجتمع الإسلامي يؤدي إلى تقليل نفقات المعيشة وزيادة الرفاهية والأمان الاجتماعي ، كما أن وجود الرعاية الاجتماعية والصحية لكافة مواطني الدولة الإسلامية يؤدي إلى زيادة القدرة الإنتاجية، وتحسين مستوى المعيشة ، وزيادة الشعور بالأمن والطمأنينة ، وتطهير النفوس من الغل والحسد والكراهية ، وإبدال هذه المشاعر بمشاعر طيبة من الاحترام والمودة والأخوة ، كما يزيد من روح الانتماء والتعايش والانسجام بين كافة فئات المجتمع الإسلامي .
لقد كانت الأوقاف تعالج أمراضا اجتماعية خطيرة وتستأصل شأفة الفساد من أوكاره ، فالأمراض الاجتماعية والجرائم تنبت في أكواخ الفقر والظلم والمجاعة والعزلة والتطرف ..
جاء في الحديث ” قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية ، قال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني ، فأصبحوا يتحدثون ، تصدق الليلة على غني ، قال : اللهم لك الحمد على غني ، لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون ، تصدق الليلة على سارق ، فقال اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق ، فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ، أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته “(مسلم ، كتاب الزكاة ، باب ثبوت أجر المتصدق ، 2/907)
فالحديث يشير بوضوح إلى دور الصدقة في علاج أمراض اجتماعية خطيرة كالسرقة والزنا والشح ، فالصدقة الجارية لها علاج جار على النفوس الضعيفة أو المريضة أو القابلة للإنحراف والتعدي ، فهي تحدث في نفس صاحبها أثرا عظيما من الشعور بالرضا وحلاوة الإيمان ، كما تحدث في نفس آخذها شعورا عظيما من الشعور بالامتنان والعرفان لله أولا ثم للمنفقين ..

أهم المراجع :
الخوجة ، محمد الحبيب : “لمحة عن الوقف والتنمية في الماضي والحاضر” ، ندوة أهمية الأوقاف الإسلامية في عالم اليوم ، لندن ، 1996 .
عبد الله ، محمد بن عبد العزيز : الوقف في الفكر الإسلامي ، مطبعة فضالة ، وزارة الأوقاف ، المغرب .
حطاب ، كمال : دور الوقف الإسلامي في تعزيز العلاقات الاقتصادية والجضارية” مؤتمر الشارقة للوقف الإسلامي والمجتمع الدولي ، الأمانة العامة للأوقاف بالشارقة ، 2004

مقترح لإحياء نظام إنظار المعسرين أ.د كمال حطاب نيسان 2010

05 April 2010

مقترح لإحياء نظام إنظار المعسرين
أ.د كمال حطاب نيسان 2010
في ظلال قوله تعالى ” وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ” يمكن اقتراح ملامح لنظام انظار المعسرين في المصارف الإسلامية ، بحيث تستمر المصارف الإسلامية في عملها وتطورها ، ويستمر العملاء والمستثمرون في مشروعاتهم وأعمالهم ، وتبقى الثقة في المصارف واستمراريتها قائمة .
إن مبدأ إنظار المعسرين من شأنه أن يحول دون تدمير المدين وإخراجه من السوق ، وعلى المستوى الكلي فإن وجود نظام لإنظار المعسرين على مستوى المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية سوف يكون له نتائج إيجابية هامة على أداء الاقتصاد الوطني وحمايته من التدهور والانهيار .
فإنظار المعسرين سوف يعطيهم فرصة أفضل للسداد ، كما يحفظ قيمة الضمانات التي قدموها للدائنين من التدهور والانهيار ، وبالتالي يمنع انهيار الأسواق ، وحدوث الأزمات المالية ، كما حدث في ظل الأزمة المالية العالمية المعاصرة .
إن هذا المبدأ يشكل أداة تحوط اقتصادية تمنع الاقتصاد القومي من الانهيار والسقوط في براثن الكساد العظيم ، وبالتالي ينبغي أن يكون هذا النظام جزءا من أقسام إدارة المخاطر في المصارف الإسلامية . فإدارة المخاطر لا يصح أن تبقى محصورة في المزاوجة بين تحقيق أعلى عائد وأقل مخاطر ممكنة ، وإنما لا بد أن يضاف إليها تحقيق حماية ورعاية ورضا وملاءة العميل ونجاحه في مشروعاته واستثماراته .
إن تخلي المصارف الإسلامية عن العملاء المعسرين عند أول فرصة يشكل تهديدا قاسيا للعملاء كما يشكل تهديدا خطيرا للصيرفة الإسلامية التي تبنت هذا المبدأ عند نشأتها .
إن مبدأ إنظار المعسرين يشكل دعامة للعميل والمصرف ، فإذا أفلس العملاء وتخلت المصارف عن مساندتهم ، فإن المصارف سرعان ما تلحق بعملائها . وهذا ما حدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية .
ولكن هذا المبدأ لا يعمل وحده ، بل لا بد من وجود نظام متكامل يتكون من تشريعات واضحة تنظم إنظار المعسرين على مستوى كافة المؤسسات المالية الوطنية ، وخاصة المصارف المركزية .
فما هي حدود وضوابط الإعسار ، وهل كل امتناع عن السداد يكون نتيجة إعسار ؟ وكيف يمكن التفريق بين المعسر والمماطل ؟
إن هذه المسألة تتطلب وجود قسم خاص في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية ، مهمته البحث في أحوال العملاء ومراقبة ومتابعة أوضاعهم المالية ، وربما ضرورة قيام العميل بتزويد هذا القسم بتقارير دورية عن أوضاعه المالية في المشروعات التي مولت من قبل المصرف الإسلامي . عندئذ يمكن للمصرف الإسلامي أن يفرق بين الإعسار والمماطلة من خلال هذه المتابعة الدورية لأحوال العملاء .
وربما يستدعي الأمر وجود قسم خاص بإنظار المعسرين في البنك المركزي مهمته مساعدة المعسرين من خلال إعادة تمويلهم بما يمكنهم من التغلب على ظروف الإعسار التي أصابتهم ، وفي هذه الحالة فإن آثار انظار المعسرين لن تكون سلبية على المصارف الإسلامية نظرا لوجود البنك المركزي إلى جوار هذه المصارف في دعم المدينين المعسرين .
وقد يكون تفعيل صناديق القرض الحسن المقترحة في البنوك الإسلامية من دعائم نجاح نظام إنظار المعسرين والأقسام المشرفة عليه .
إن تطبيق هذا الإنظار يمكن أن يكون من خلال جدولة الديون ، ولكن لا يصح أن يكون ذلك لقاء زيادة على الديون تحت أي مسمي ، سواء كان أتعابا أم تكاليف إدارية أم غير ذلك .. فهذه المسميات لا تلغي الفائدة الربوية الحاصلة ، والتي سوف تعمل على زيادة الإعسار واستفحال الأزمة المالية التي يمكن أن تصيب الاقتصاد الوطني بالكامل .
إن من أشد العوامل التي تؤدي إلى انهيار المصارف والمؤسسات المالية فقدان الثقة بين العملاء والمصارف ، فهذه الثقة هي الأساس في استمرار المصارف في أداء وظائفها ، وإن وجود نظام لإنظار المعسرين يعزز هذه التقة ، ويمنح العملاء قدرات وفرص إضافية لتسوية وتصحيح أوضاعهم ، مما يؤدي إلى استمرارية الاستقرار المالي والاقتصادي في المجتمع .
لقد ضخت مليارات الدولارات في أعقاب الأزمة المالية العالمية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، ولكنها لم تنجح حتى الآن في الإنقاذ ، لسبب بسيط وهو أنها لم توجه للمدينين المعسرين ، وإنما وجهت لكبار الدائنين ، واستفاد منها أصحاب المناصب المالية العليا من مدراء بنوك ومساعديهم ومشرفين على المؤسسات المالية الكبرى .
ولو أن هذه الأموال وجهت منذ البداية لأصحاب العقارات المرهونة الذين توقفوا عن السداد، أو وضع نظام لإنظارهم وتمكينهم من مواصلة أعمالهم ومشروعاتهم لما حدثت الأزمة أساسا.
إن وجود هذا النظام في الاقتصاد الوطني وفي المصارف الإسلامية بشكل خاص هو لمصلحة المصارف الإسلامية والاقتصادات الوطنية قبل مصلحة العملاء المعسرين .

تنمية القدرات وتقدير الإنجازات أ.د كمال حطاب آذار 2010

12 March 2010

يرى عدد من خبراء التنمية الدوليين أن مفهوم التنميــــة لم يعد مقصورا الآن على محاولة اللحاق اقتصادياً بالدول الأكثر تقدماً بقدر ما يهتم بالكشف عـــن قــدرات الشعوب (النامية) وإمكان استغلال هذه القدرات على المستويات المحلية والإقليمية والعالمــية ، ما يعني ضرورة التعرف على قدرات هذه الشعوب وطاقاتها ودراستها دراســـة عميقة لفهمها والاسترشاد بها .
ولو استعرضنا منهج النبي صلى الله عليه وسلم في إحداث التنمية لوجدناه يركز على اكتشاف القدرات والطاقات ومحاولة استثمارها وتنميتها على مستوى الأفراد والقبائل والشعوب وعلى مستوى البشرية جمعاء .
فعلى المستوى الفردي وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يكتشف في أصحابه مواهبهم وطاقاتهم ، ويوظفهم وفقا لذلك ، ففي غزوة الخندق ، اكتشف في سلمان الفارسي خطة الدفاع عن المدينة بحفر الخندق فوظفه لذلك واستفاد المسلمون بخبرته في ذلك ، إلى أن أصبح حاكم المدائن فيما بعد ، واكتشف في خالد بن الوليد الخبرة والحنكة العسكرية فوظفه قائدا على جيوش المسلمين، واكتشف في عمر وأبي بكر سداد الرأي والصدق والإخلاص فجعلهما مستشاريه المقربين .
اكتشف في بلال حسن الصوت وحسن التدبير فجعله مؤذن الرسول إضافة إلى مهمة التدبير والإنفاق ،واكتشف في نعيم بن مسعود الدهاء والحيلة – ولم يكن الكفار قد عرفوا بإسلامه – فوظفه للإيقاع بين بني قريظة وكفار قريش ، كما عرف في أبي ذر ضعفه ورقة قلبه ، فرفض توليته الإمارة ، وهكذا كان في اختياره لكتبة الوحي، وفي إرساله الرسل إلى الملوك والأمراء ، وفي تعيينه العمال والولاة ، وفقا للكفاية والكفاءة .
ولم يكن الأمر مقتصرا على الرجال دون النساء ،فقد اكتشف في خديجة سيدة نساء قريش القلب الرحيم وحدة الذكاء وحسن التدبير فقرر الزواج منها ، واكتشف في أسماء بنت أبي بكر العزيمة والصبر والكتمان فقرر الاستعانة بها في الهجرة في توصيل الطعام ، وكذلك أم عمارة الأسلمية التي كانت أول ممرضة في الإسلام .
ولم يكن الأمر على مستوى الأفراد فحسب وإنما على مستوى القبائل والشعوب في ذلك الوقت حيث نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف عادات العرب وتقاليدهم وثقافتهم وتراثهم ، فحفظ لحاتم الطائي مكانته ، وحفظ لعنترة مكانته ، وحفظ للأنصار مكانتهم ونصرتهم للإسلام وكذلك المهاجرين ، والذين جاؤوا من بعدهم ، وحتى الذين آمنوا به ولم يروه اعتبرهم أخوانه واعتبر أجرهم مضاعفا عن أجر أصحابه الذين عرفوه .
ولقد نمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أصحابه هذه الميول والطاقات والقدرات ، حتى جعل منهم علماء وقادة وأمراء ، تمكنوا من نشر الإسلام في كافة ربوع العالم في ذلك الوقت ، وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الهداية والإيمان ، في فترة قياسية جدا .
فهل تنطلق مؤسساتنا الحكومية والخاصة من هذه المنطلقات التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم عند اختيار موظفيها أوعند محاولتها الارتقاء بأداء الموظفين ، وهل تقوم المؤسسات المالية الإسلامية بالأخذ بالاعتبارات السابقة في سبيل تحسين الأداء ورفع درجة الجودة .
إن المأسسة أو الالتزام بالقوانين المعاصرة في الأعمال الإدارية أمر هام ، ولكن الأهم من المؤسسات هم الأفراد الذين يديرونها ، وبالتالي فإن توجيه عملية التنمية نحو الأفراد بالتقدير والمكافأة وإيجاد الحوافز وتقدير الإنجازات هو السبيل الأول في نجاح المؤسسات واستمراريتها .

مؤتمر هارفارد التاسع للتمويل الإسلامي 27-28-3-2010

12 March 2010

NINTH HARVARD UNIVERSITY FORUM ON ISLAMIC FINANCE

Ninth Harvard University Forum on Islamic Finance, Building Bridges Across Financial Communities, March 27-28, 2010, Harvard Law School, Cambridge, MA.

http://ifptest.law.harvard.edu/ifphtml/

مؤامرة الأزمة وأزمة المؤامرة :أ.د كمال حطاب شباط 2010

21 February 2010

يبدو أن الأزمة المالية العالمية كانت نتيجة مؤامرة من جهات عديدة، غير أن هذه المؤامرة لم تعد خاضعة لسيطرة المتآمرين ، وبالتالي فقد وجد المتآمرون أنفسهم في أزمة لا يستطيعون الخروج منها ، كيف حدث ذلك ؟
يرى عدد من الباحثين والمحللين أن احتمالات وجود مؤامرة تسببت في الأزمة المالية العالمية هي احتمالات قوية جدا جدا ، والأدلة والشواهد على ذلك كثيرة منها :
أولا :
ما تحدث به مؤلفا كتاب فخ العولمة ..
في نهاية التسعينات من القرن الماضي اجتمع منظرو العولمة مع كبار الشخصيات العالمية من أصحاب الشركات الكبرى في فندق فيرمونت في سان فرانسيسكو ليرسموا معالم القرن الحادي والعشرين ، وقد رأى هؤلاء وتحت تأثير الأرباح الفلكية التي تتحقق من خلال الأسواق المالية والنقدية ، ورغبة في زيادة هذه الأرباح من خلال خفض التكاليف وبخاصة أجور العمال ، رأوا أن 20% من حجم العمالة المتوافرة في العالم تكفي لتسيير الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين ، وبالتالي لا حاجة إلى 80% من العمال في العالم .. ومعنى ذلك أنه لا حاجة لتوظيف الملايين وربما مئات الملايين في الوقت الذي يمكن الاستغناء عنهم وتوفير أجورهم .

وقد حضر هذا الاجتماع كل من هانسن بيترمارتين وهارالد شومان مؤلفا كتاب فخ العولمة وأشارا في كتابهما إلى ما دار في هذا الاجتماع، وما خطط له الحاضرون حول مستقبل العمالة ، وقد أشارا إلى أن مستقبل العمالة سينحصر بين خيارين ” إما أن تأكل وإما أن تؤكل ”
ثانيا :
وفقا لجريدة الرياض السعودية بتاريخ 26-10- 2008 وصف العاهل السعودي الأزمة المالية العالمية بأنها حرب اقتصادية خفية ، تحاول أن تستنزف القدرات المالية للدول التي تقع ضحيتها .
وقال الملك عبدالله بن عبدالعزيز “أعتقد أن العالم الآن في حرب خفية، حرب اقتصادية، ولا بد أن تراعوا هذا الشيء، ومصلحة الدين والوطن، لا مصلحة أشخاص، لأن الاقتصاد هو أساس كل شيء”.
ثالثا
صرح ليندسلي ويليامز في مقابلة تلفزيونية منشورة على اليو تيوب في شهر يوليو 2008 ،وكان وقتها سعر برميل النفط 140 دولار ، قال ” لقد علمت ممن يمسكون باقتصاديات العالم أنهم سوف يوصلون سعر برميل النفط إلى 50 دولار خلال أشهر معدودة ” وقال أيضاً أنه سيكون هناك انهيار كبير للاقتصاد الامريكي .
رابعا :
يرى باحث آخر أن المسألة هي استغلال أموال العرب وشطب ديونهم على المؤسسات المالية الكبرى في أمريكا وذلك من خلال قوانين الإفلاس ، فلماذا دعمت الحكومة الأمريكية بعض البنوك ، بينما أشهرت إفلاس ليمان برذرز وغيرها ، ويرى بأن الجواب يكمن في أن بعض الحكومات كالصين والصناديق السيادية في الخليج كانت بصدد الدخول في شراكة مع هذه المؤسسات المالية الكبرى بسبب زيادة حصصها من الأسهم .
أما بعد أن أشهرت إفلاسها فلم يعد لأحد أي حق ، وفقا للفصل الحادي عشر الخاص بالإفلاس ، ومعنى ذلك أن الشركة أو البنك يستمر في السوق ولكن تحت الرقابة والحماية .
خامسا :
ما تحدث به مصطفى الفقي الدبلوماسي في وزارة الخارجية المصرية حيث قال إن ما بين سبتمبر 2001 ، وسبتمبر 2008 شبه كبير ، غير أن الضربة الأخيرة كانت اقتصادية .

أما المؤشرات الدالة على أزمة المؤامرة والمتآمرين فهي كما يلي :
أولا :
خطة الإنقاذ التي نفذها بوش بضخ سبعمئة مليار دولار زادت من حدة الأزمة وقدمت مكافآت لمن تسبب فيها من كبار المدراء وأصحاب الشركات والمؤسسات المفلسة .
ثانيا :
استمرار الإفلاسات وانفجار الفقاعات في الاقتصاد الأمريكي والغربي في أسوأ كساد عرفته البشرية في عصورها الحديثة . فهناك أكثر من مائة وثلاثين مصرفا أمريكيا تم إشهار إفلاسها من قبل الحكومة .
ثالثا :
بالرغم من قيام حكومة أوباما بإمهال المدينين من أصحاب العقارات المرهونة احد عشر شهرا ، فإن ديون هؤلاء وفوائد الديون اضطرت نحو أربعين مليون أمريكي إلى ترك بيوتهم .
رابعا :
انكشاف الفساد والاستغلال الذي يقوم عليه النظام النقدي والمالي الدولي ومطالبة العديد من الدول بإصلاحه ، ومطالبة الصين وروسيا بإيجاد عملة دولية أخرى إلى جانب الدولار .
خامسا :
يبدو جليا مما سبق من شواهد دالة على مؤامرة الأزمة وأزمة المؤامرة على أن هناك مخططات فعلية إجرامية بحق البشرية ، وأن هناك رأسماليين متوحشين لا يهمهم سوى أنفسهم وأرباحهم ولذائذهم ونزواتهم ، وأنه ليس الأمر غريبا على هؤلاء أن يخططوا ، ولكن ما هو حاصل في الوقت الحاضر من تداعيات وآثار وانفجارات متسلسلة لفقاعات من الانتفاخات الخبيثة في الاقتصادات الرأسمالية قد خرج عن سيطرة هؤلاء .. ويبدو أن نتائج الأمور لن تتوقف عند حد معين ، ما لم يرجع هؤلاء ، والحكومات التي تخضع لهم عن وحشيتهم وعبثيتهم ، ويعودوا إلى إنسانيتهم .

وقد كان كلاوس شواب رئيس منتدى دافوس قد أشار إلى هذا العلاج عندما دعا إلى أنسنة العولمة ، وكذلك فعل جورج سوروس المسئول الأول عن أزمة النمور الآسيوية عندما نادى إلى العودة إلى الأخلاق وضبط الأسواق المالية العالمية .
فما لم يتنادى العقلاء والخبراء والمسئولون إلى كلمة سواء ، وموقف حق وعدل وإنصاف ، فإن هذه الأزمة لن تتوقف حتى تطيح برؤوسهم جميعا . وذلك من خلال حرب عالمية ثالثة ، وهو نفس ما حدث في أعقاب أزمة الكساد العالمي 1929 ،التي لم تتوقف بشكل كامل إلا بعد أن اشتعلت الحرب العالمية الثانية1939 ، حيث زج بملايين العمال المتعطلين في أتون الحرب، وفاق عدد الضحايا خمسين مليونا .

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]