عودة إلى الصفحة الرئيسية

أموال الهيلوكوبتر والدول العربية أ.د كمال حطاب [email protected]

14 October 2020

أموال الهيلوكوبتر والدول العربية
أ.د كمال حطاب
اقترح ميلتون فريدمان الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أن يتم إلقاء النقود من خلال طائرة الهيلوكبتر على الناس ، وذلك في أوقات الأزمات ، وأشاد بهذا الاقتراح لاحقا بن برنانكي مدير الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبق . فهل كان فريدمان جادا في هذا الاقتراح أم أن الأمر كان على سبيل التمثيل والتبسيط ؟
يبدو أن فريدمان كان يحاول تبسيط فكرة أثر النقود على التضخم ، ولكن برنانكي والسياسيين من بعده لم يكونوا كذلك حيث وجدوا في هذه الفكرة حلا لمشكلات الانكماش الاقتصادي .
أطلق لاحقا على أموال الهيلوكوبتر ” التيسر الكمي ” ، لأن أوجه الشبه بينهما كبيرة ، حيث يستطيع الاحتياطي الفيدرالي أن يصدر من العملة ما شاء وبلا حدود ، هذا ما أعلنه مدير الاحتياطي الفيدرالي فرع مينابوليس نيل كاشكاري في برنامج ستون دقيقة بتاريخ 27-3-2020 عندما قال بأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتمتع بسلطة غير محدودة لتوليد النقد بكميات غير محدودة ، “فلا نهاية لقدرتنا على طباعة النقود ، والأمر ببساطة أن لدينا موافقة وطلب من الكونغرس لفعل ذلك ”
من بدهيات الأدب النقدي أن زيادة النقود إذا لم يصاحبها زيادة في الإنتاج فإن هذه الزيادة في كمية النقود ستتحول إلى ارتفاع في الأسعار وزيادة في التضخم .. ولكن المشاهد عالميا أن الولايات المتحدة قد زادت في طباعة الدولار منذ 2008 إلى 2020 حوالي 7 تريليون دولار ، ومع ذلك بقي التضخم قريبا من 2% خلال هذه الفترة ، فما هو السر وراء ذلك ..
إن طباعة الدولار ليست لاستخدامه داخل أمريكا فقط ، وبالتالي فإن هذه العملة تجوب العالم بحثا عن الثروات
المعدنية والنفطية والذهب وكافة أشكال السلع والخدمات ، فجميع أسواق العالم هي سوق للدولار .
هل يمكن للدول العربية أن تطبع من العملة ما تشاء ؟ وما الذي يمنعها من فعل ذلك ؟ ولماذا يمكن للبنوك المركزية في أمريكا وأوروبا واليابان والصين وبقية الدول المتقدمة أن تفعل ذلك ؟ ولا يمكن للدول العربية ؟
إن الدول السبعة العظام كما يطلق عليها G7 لديها اتفاقات نقدية ، تستطيع التنسيق فيما بينها في هذا المجال بما يضمن استمرار الاستقرار النقدي العالمي ، وبما يضمن استمرارية بقاء العملات الصعبة ، العملات الأقوى والقابلة للتحويل من قبل جميع الدول .
ومن جهة أخرى فإن هذه الدول هي الدول صاحبة الحصص الكبرى في صندوق النقد الدولي ، وهذا يعني أنها القادرة على التصويت واتخاذ القرارات التي تصدر عن الصندوق ..
ومن المعلوم أن من أهم مهام صندوق النقد الدولي مراقبة أسعار صرف العملات ، وتنظيم الاتفاقيات والقواعد الخاصة بأسعار صرف العملات وتسيير المدفوعات الدولية .
ومن جهة ثالثة فإن هذه الدول تقوم بالإصدار بعد الحصول على موافقة البرلمان أو الكونغرس كما في أمريكا وفي ظل سيادة الحوكمة والشفافية والإفصاح ، وتحت مراقبة وسائل الإعلام .
أما في حالة الدول العربية فليس لديها أي اتفاقات نقدية فيما بينها ، ولا يمكن لأي دولة منفردة أن تفعل ذلك إلا إذا أرادت لعملتها أن تتدهور قيمتها إلى ما لا نهاية .. كما أنها ضعيفة جدا من حيث الحصة وقوة التصويت في صندوق النقد الدولي ، وبالتالي فلا تأثير لها على اتخاذ القرار في هذا الصندوق ، ولذلك لا بد من موافقة صندوق النقد الدولي قبل التفكير بالقيام بمثل هذه الخطوة .
يمكن للدول العربية أو الإسلامية أن تفعل ذلك في حالة تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الموحدة العربية أو الإسلامية ، ويمكن لها أن تعمل على إطلاق الدينار العربي الموحد أو العملة الإسلامية الموحدة .
يمكن لهذه الدول أن تفعل ذلك إذا ما اتفقت على زيادة قوتها التفاوضية والتصويتية في المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ..
وبغير ذلك فستبقى عملات هذه الدول تابعة لعملات الدول المتقدمة ، وستبقى قيمها تتقلب وتتدهور تحت أدنى أزمة مالية واقتصادية .

الأجر والضمان في عقود التبرعات أ.د كمال حطاب

30 September 2020

الأجر والضمان في عقود التبرعات
أ.د كمال حطاب
يصف الفقهاء أحكام المعاملات بأنها معللة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد بعكس أحكام العبادات التي توصف بأنها تعبدية ، ولذلك كانت الاجتهادات في أحكام المعاملات الفرعية تختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر ، وتدور مع المصلحة حيثما كانت .
ويبدو هذا الأمر جليا عند النظر في أحكام عقود التبرعات ، فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن عقود التبرعات كالكفالة والوديعة والحوالة .. إلخ لا يجوز أخذ الأجر عليها ، ولا يضمن المتبرع ما يتلف في يده إذا كان التلف حاصلا دون تعد أو إهمال ، فهذه العقود هي عقود تبرعات محضة ، بمعنى أن الغرض الأساسي منها هو الثواب الأخروي ..
ولكن هذه العقود لم تعد كما كانت في العصور الماضية التي صنفها فيها الفقهاء ضمن عقود التبرعات ، فقد تغيرت طبيعة هذه العقود وخصائصها ومقتضياتها ، خاصة بعد استخدامها على نطاق واسع في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية .
إن أقرب تطبيق لهذه العقود الثلاثة يتم من خلال الكفالة المصرفية والوديعة المصرفية والحوالة المصرفية ، وهذه العقود لها أحكام فقهية مغايرة تماما لاجتهادات الفقهاء السابقين ، نظرا لتغير خصائص العقود ومقتضياتها .
ولذلك ذهبت معظم جهات الفتوى إلى جواز أخذ الأجر على هذه العقود ، نظرا لما يترتب عليها من مصالح للطرفين ، فالمقاول لولا خطاب الضمان أو الكفالة المصرفية لحرم من الدخول في مناقصات ربما تعود عليه بالملايين ، ولذلك كان البنك مستحقا للأجر على جهوده في تنظيم هذه الكفالة ، وفي تنفيذها في حالة عدم وفاء العميل بما تعهد بأدائه . وكذلك الحوالة المصرفية حيث يقوم البنك بتنظيم عمليات التحويل المصرفي الداخلي والخارجي من خلال إجراءات واتفاقات مع فروع أخرى أو بنوك مراسلة ، وهذه بلا شك تتطلب جهودا تستحق الأجر بلا خلاف .
أما الوديعة المصرفية ، وخاصة الوديعة في الحساب الجاري فلا يزال الجدل الفقهي دائرا حول ماهيتها وهل هي قرض أم أمانة ؟ وبالرغم من صدور قرار مجمع الفقه الإسلامي الذي يعتبر الوديعة المصرفية في الحساب الجاري قرضا حسنا . إلا أن المسألة لا تزال محل اعتراض عدد كبير من الباحثين .
ومن العقود التي تقترب من عقود التبرعات ، ولكنها إلى المشاركات أقرب عقود المضاربة والإجارة المشتركة ، فقد اتفق الفقهاء على تضمين المضارب والأجير المشترك في حالة التعدي والتفريط ، واختلفوا فيما عدا ذلك .
لقد مثل الفقهاء قديما للأجير المشترك بالنجار والخياط والقصاب والصباغ .. ،وذهب فريق كبير منهم إلى عدم تضمينه ، لأنه لم يتعد أو يفرط في الأمانة ، أما في وقتنا الحاضر فلعل أصدق تمثيل للأجير المشترك هو شركات النقل مثل أرامكس وفدكس ودي إش إل وشركات الشحن المحلي والدولي ، وشركات الطيران وغيرها .
وكذلك المضارب المشترك ، فقد مثل له سابقا بشخص عامل يتعامل مع أكثر من رب مال في وقت واحد ، ينطبق عليه في وقتنا الحاضر حال المصارف الإسلامية وصناديق الاستثمار وشركات التأمين التكافلي وغيرها من المؤسسات المالية الإسلامية .
إن اتساع المعاني وتنوع النشاطات والتطور الاقتصادي للمجتمعات يستلزم المواكبة الفقهية التي تدعم تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
إن عمل الأجير المشترك في الوقت الحاضر لم يعد يقتصر على أعمال بسيطة وإنما تعدى ذلك إلى شركات عملاقة متعددة الجنسية تتعهد بالضمان والتعويض ، من خلال آليات وأجهزة وشركات تأمين وعقود صيانة وضمان ، كلها تعمل جنبا إلى جنب من أجل المحافظة على معايير جودة الأداء والمهنية العالية التي تضمن سلامة التعاملات واستقرارها ..
وقد تمكنت الشركات الكبرى في الوقت الحاضر ومن خلال علوم الإحصاء والدراسات الاكتوارية من معرفة نسبة الخطر أو التلف أو الخسارة التي يمكن أن تتعرض لها والتعويضات التي يجب عليها أن تدفعها لسنوات قادمة بما يمكنها من الاستمرار في عملها وأداء واجباتها بمهنية تقترب من الكمال .

وبالتالي فإن معظم الأحكام الفقهية التي ذكرت حول عدم جواز تضمين المضارب المشترك أو الأجير المشترك قد لا تنطبق في الوقت الحاضر على أوضاع الشركات والمؤسسات والمعاملات القائمة ، حيث تتعهد معظم الشركات المعاصرة بالضمان ، ولولا تعهدها بالضمان لما تعامل معها أحد ، فالكل يحرص على ماله من الضياع ، ومن حق الناس أن تكون أموالهم مصانة محفوظة .. كما أن التزام هذه المؤسسات بالضمان يزيد من كفاءتها وحرصها على أموال الناس ، وفي نفس الوقت يقلل خسائرها إلى أدنى درجة ممكنة من خلال التأمين ومراعاة المخاطر المحتملة .
وبناء على ما تقدم وفي ضوء الظروف والتطورات المعاصرة ، فإن الرأي القائل بتضمين المضارب المشترك والأجير المشترك هو الأولى بالقبول في ظل الظروف المعاصرة والأمثلة المذكورة وما يقاس عليها .
ومع ذلك ونظرا لأن الأمثلة المعاصرة لا يمكن حصرها بالنسبة للأجير المشترك ، فلا بد من عرض الأمر على القضاء في المسائل الكبيرة التي يترتب عليها أضرار كبيرة ، كالإهمال الطبي أو الإهمال في نقل الأشخاص بالطائرات أو القطارات أو غيرها من وسائل المواصلات .
إن النية وسلطان الإرادة لا يمكن صرفهما من قصد إلى آخر دون قرينة واضحة ، فعندما يقصد أحد الأطراف أن يكون متبرعا فلا يصح أن يصرف قصده إلى قصد آخر دون قرينة أو إرادة واضحة منه ، وكذلك الحال عندما لا يقصد أحد الأشخاص أن يكون متبرعا فلا يصح أن يعامل كمتبرع رغما عنه ، وبالتالي حرمانه من الأجرة بذريعة التبرع ما دام لم يقصد التبرع ولا يوجد أي قرينة تفيد التبرع .
إن نظرية العقد في الشريعة الإسلامية ، حرصت على تحقق كمال الأهلية في العقود ، من أجل تحقق كمال الرضا بين المتعاقدين ، ولذلك لا يصح تكليف أحد المتعاقدين بأي شيء خارج عن بنود العقد وليس من مقتضياته بأي شكل من الأشكال .

مؤسسات الاقتصاد الإسلامي وآثار الجائحة أ.د كمال توفيق حطاب

03 July 2020

مؤسسات الاقتصاد الإسلامي وآثار الجائحة
أ.د كمال توفيق حطاب
مع انتشار وباء الكورونا وما تبعه من أزمات متفاعلة ، يقف الباحثون والمتخصصون والمشتغلون في الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية على أبواب تحديات وعقبات جديدة ، تتطلب منهم أن يكونوا على قدر هذه المرحلة ومتطلباتها ..
فلم تعد الكتابات التنظيرية والترفية مقبولة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها دول العالم المختلفة ، ولم يعد المتخصص في الاقتصاد الإسلامي مقنعا ، عندما يتحدث عن الماينبغيات أو ما ينبغي أن يكون ، فالمطلوب في الوقت الحاضر هو سياسات اقتصادية وآليات تنفيذية من أجل المساهمة في الإصلاح الاقتصادي وتخفيف الأزمات التي يتعرض لها العالم .
إن كثرة المؤتمرات والندوات والورش والسيمنارات والويبينارات ، وكثرة الخطابات الإنشائية العاطفية لم تعد مقبولة ولا مقنعة ، وقريبا جدا سوف تكتشف الشعوب أن مؤسسات الاقتصاد الإسلامي والمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية هي مجرد شعارات كاذبة ، وأنها مؤسسات همها الأكبر تحقيق الأرباح والمكاسب مهما كانت المعاناة والآلام التي تعانيها الشعوب ، سوف يكتشفون أن مؤسسات الاقتصاد الإسلامي عبارة عن أكذوبة كبرى ، ما لم ينشغل الباحثون والمتخصصون وأصحاب رؤوس الأموال بتخفيف معاناة الناس ومحاولة إيجاد الحلول لمشكلاتهم الاقتصادية .
سوف يكتشفون أن الاقتصاد الإسلامي بمؤسساته المعاصرة هو مجرد شعارات براقة ووعود جميلة وأحلام وردية ، ما لم ينشغل المعنيون بالاقتصاد الإسلامي بتحقيق المقاصد الشرعية ، وتخفيف حدة التفاوت بين الناس ، والوصول إلى عدالة توزيع الثروة .
سوف يكتشفون أن الاقتصاد الإسلامي بمؤسساته عبارة عن وهم كبير ما لم يقدم القائمون على مؤسسات الاقتصاد الإسلامي حلولا ناجعة للمتعطلين عن العمل والمتضررين بسبب الوباء .
إن مؤسسات الاقتصاد الإسلامي الربحية والخيرية تواجه تحديات كبيرة ، فإذا لم تنجح في مواجهة هذه التحديات فإنها ستسقط سقوطا مدويا ، وسوف تتراجع هذه المؤسسات على حساب تقدم المؤسسات الربوية ، وسوف يتراجع الاهتمام بدراسة الاقتصاد الإسلامي على حساب الاقتصاد الوضعي الربوي ، ما لم يقم القائمون على هذه المؤسسات بوضع خطط عملية وآليات تنفيذية من أجل الإسهام بأكبر نصيب في رفع المعاناة عن البشر ، وإيجاد الحلول للقطاعات الاقتصادية المتضررة ، وتقديم أكبر المساعدات لمن لا يجدون قوت يومهم ، وتقديم فرص العمل لمن لا يجدون عملا .
لم نسمع حتى الآن – وربما كنت مخطئا- عن “وقف لمتضرري كورونا” في أي بلد إسلامي ، ولم نسمع عن تبرعات لأصحاب مؤسسات الاقتصاد الإسلامي الذين تجاوزت ثروات بعضهم المليارات ، ولم نسمع عن قيام أي مؤسسة مالية إسلامية بإيجاد حلول أو تخفيف عن كاهل المدينين المعسرين بسبب كورونا .. بسداد الدين عن المتعثرين أو كفالة الغارمين ، أو تقديم القروض الحسنة مع الشروط المخففة لهؤلاء المتعثرين أو المعسرين.
هذا غيض من فيض مما يمكن عمله ، ولكننا للأسف سمعنا عن عشرات بل مئات الويبينارات واللقاءات عن بعد التي ناقشت آثار جائحة كورونا ، ولكننا لم نسمع – وربما أكون مخطئا- عن خطوات عملية أسهمت في تخفيف هذه الآثار عن ملايين المؤسسات والشركات المتعثرة وملايين العمال المتعطلين .

الكورونا .. ومذبحة العمالة أ.د كمال حطاب

25 May 2020

الكورونا .. ومذبحة العمالة
أ.د كمال حطاب
ماذا يريد الإعلام العالمي والقنوات الفضائية بعد نشر الإحصاءات المرعبة لوباء الكورونا ؟ والمواظبة على نشرها بشكل مستمر ؟ ماذا يريدون من الناس بعد انتشار القلق والضيق والتوتر بل والرعب أحيانا لدى معظم شعوب العالم ؟ ماذا بعد التزام العالم بالحجر الصحي الجزئي أو الكلي ؟ ماذا بعد أن فقد الملايين وظائفهم ، وتعطل أكثر من نصف العاملين في العالم عن العمل ؟ هل يريدون إخضاع العالم ؟ وهل يوجد خضوع أكثر من ذلك ؟
لأول مرة في التاريخ تلتزم كافة حكومات العالم وشعوبها بأوامر جهة واحدة ، هي منظمة الصحة العالمية ومن يقف وراءها من أجهزة الأمم المتحدة ومن يسيطر عليها ، بالرغم من وجود اتهامات عديدة للمنظمة بالتقصير من قبل رئيس أكبر دولة في العالم .
هل تريد النيوليبرالية المتوحشة وفقا لنعوم تشومسكي إخضاع العالم وإصابته بالشعور بالتهديد المستمر ؟ من أجل أن لا يرفع أحد رأسه ؟ هل يريدون القضاء على أي شكل من أشكال الديمقراطية تحت سطوة الخوف من الكورونا ؟ هل يريدون دعم وتقوية الحكومات الاستبدادية التي أوجدوها في دول العالم الثالث ؟
هل تم استغلال الفيروس من أجل التخلص من العمالة الزائدة والوظائف المحمولة في مختلف دول العالم ، وما الذي تستفيد منه الحكومات وأصحاب الشركات الكبرى من تسريح ملايين العمال ؟
يبدو أن هذا السؤال هو الأقرب إلى الواقع ، حيث كان التخلص من تكاليف العمالة حلما يراود كبار الرأسماليين منذ القدم ، وكان ذلك من خلال التطورات الصناعية والتكنولوجية ، فكانت الآلة الواحدة تغني عن مئة عامل في بعض الصناعات .
ومع ظهور إنترنت الأشياء والتعليم عن بعد والحكومات والخدمات الإلكترونية ، أصبح من الممكن للحكومات والشركات الاستغناء عن ملايين الموظفين والعمال دون أن تتراجع الأعمال ، بل سوف تتم الأعمال بشكل أفضل وأسرع .
ولكن لماذا تحتاج الحكومات والشركات الكبرى إلى مثل هذه الأزمة من أجل أن تقوم بالاستغناء عن العمالة الزائدة وهل توجد مراعاة للأبعاد الأخلاقية والإنسانية؟
إن ملايين العمال يشكلون أصواتا ضاغطة في الانتخابات في الدول الديمقراطية ، وبالتالي فإن هؤلاء سوف يحدثون قلاقل اجتماعية وسياسية ، ولذلك كان لا بد من إخضاعهم أولا ، وإصابتهم بالقلق والذعر والتهديد المستمر بفيروس الكورونا أو غيره مما يمكن أن يظهر من أوبئة متجددة كما تحذر منظمة الصحة العالمية ، وفي هذه الحالة فسوف يهدأ الناس ويستسلمون لأقدارهم .
في نهاية التسعينات حذر كتاب فخ العولمة للكاتبين الألمانيين بيتر مارتين وهارالد شومان مما يراد بالقوى العاملة في العالم؛ وهو ما يمكن أن يسمى “مذبحة العمالة”؛ حيث يوجد مخطط يطلق عليه “20-80″، ويقصدون بذلك أن 20% من القوى العاملة في العالم سوف تكفي لإنتاج جميع السلع والخدمات وتسيير الاقتصاد العالمي، أما عن الـ 80% العاطلين عن العمل، والذين يرغبون في العمل فسيواجهون مشاكل عظيمة كما يرى الكاتب الأمريكي جريمي ريفكن صاحب كتاب “نهاية العمل”.
غير أن هذا المخطط لم ينجح في ذلك الوقت لعدم وجود المبررات الأخلاقية من جهة ، وخشية من ردود الفعل والقلاقل الاجتماعية والسياسية التي قد تؤثر على الاستقرار العالمي ..
أما اليوم وفي ظل انتشار القلق وشعور معظم الشعوب بتهديد الكورونا وما بعد الكورونا فيبدو أن الظروف مواتية تماما لتنفيذ مثل هذا المخطط .
فهل نحن مقبلون على زمن ” إما أن تأكل وإما أن تُؤكل ” وفقا لتنبؤات صاحبا كتاب فخ العولمة ؟

نظام التعليم عن بعد ليس من كوكب آخر أ.د كمال توفيق حطاب

17 May 2020

نظام التعليم عن بعد ليس من كوكب آخر
أ.د كمال توفيق حطاب
منذ أغلقت المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية أبوابها قبل ما يقارب الشهرين ، ونحن نسمع ونقرأ من صناع القرار والمسؤولين في التعليم العالي في كثير من الدول العربية ما يطمئن الناس على دراستهم وتعبهم وجهودهم أثناء السنة الدراسية ، وتبارى بعض وزراء التعليم العالي في التهوين من تعطيل المؤسسات التعليمية باعتبار أن التعليم عن بعد سوف يحل المشكلة بسهولة .. وتفاخر بعضهم بأعلى صوته بأن لديه الإمكانات لتطبيق التعليم عن بعد والأمر في غاية البساطة .. وفوجئنا خلال الشهرين الماضيين بتطبيقات استعراضية ، من خلال تخصيص قنوات فضائية خاصة بالتعليم أو الطلب من الأساتذة تصوير محاضراتهم وعرضها على اليوتيوب ، وغير ذلك من أساليب اجتهادية لا تمت إلى التعليم عن بعد بأية صلة ، مما يؤكد بأن بعض مسؤولي التعليم العالي لا يعرفون ما هو التعليم عن بعد ، ولم يسبق لهم أن درسوه أو طبقوه في حياتهم .
ولما كنت قد عملت سنتين في إحدى الجامعات الماليزية كوكيل للجامعة للشؤون الأكاديمية ، وكان نظام الدراسة يشتمل على أسلوبين ، الأسلوب المباشر داخل حرم الجامعة ، والأسلوب غير المباشر ( التعليم عن بعد ) فقد جربت هذا النظام وتطبيقاته وإيجابياته وسلبياته ، لأربعة فصول ، قمت فيها بالتدريس المباشر وغير المباشر ( عن بعد ) ، وكان الطلبة الدارسون عن بعد غالبا من خارج ماليزيا ، وربما يتواجدون في القارات الخمس ، ومع ذلك كنا نعطي المحاضرة بكل سهولة وبما يسمح للأستاذ بالتواصل والتفاعل مع الطلبة وتوصيل المادة العلمية بشكل كامل ، وكان الامتحان النهائي يعقد في عدة مراكز حول العالم ، حيث يقوم مندوبو الجامعة باستئجار قاعات كبيرة مجهزة بأجهزة الكمبيوتر ، والإشراف على الامتحان الذي يكون معدا مسبقا من خلال بنوك للأسئلة في التخصصات المختلفة ، ويقوم الكمبيوتر باختيار أسئلة لكل طالب تختلف عن الطالب الآخر ، ويقوم النظام أو القبول والتسجيل بإعلان النتيجة .
توجد في العالم أكثر من 900 جامعة تدرس بنظام التعليم عن بعد ، ولهذا النظام تشريعات وقوانين معتبرة في معظم دول العالم ، وبالتالي فليس النظام جديدا أو قادما من كوكب آخر ، حتى يتم البحث في تشريعات جديدة ، فلا داعي لإعادة اختراع العجلة ، كل ما يتطلبه النظام ، وحدة تقنية فعالة ذات سيرفرات ضحمة ، أو مركز حاسوب قوي تقنيا داخل الجامعة ، يقوم بالتنسيق مع الجهات الأكاديمية من أجل إتاحة المادة التعليمية في النظام ، وتجهيز بنوك أسئلة للتخصصات المختلفة ..
وبما أن ظروف الوباء الحادث هي ظروف استثنائية أو هي جائحة ينطبق عليها العمل بنظريات الضرورة أو الظروف الطارئة فيمكن التخلي مؤقتا عن كثير من القيود والشروط الخاصة بهذا النظام مؤقتا.. وذلك من أجل إتمام العام الدراسي بشكل مقبول من الجميع ، الطلبة والمدرسين والمسؤولين في الوزارات المختصة .
إن نظام التعليم عن بعد ليس خرافة أو خيالا ، وليس هو قنوات تلفزيونية أو محاضرات على اليوتيوب ، وإنما هو نظام مستقر معروف في الأوساط الأكاديمية التي تطبقه ، وبالتالي فلا داعي لمن لم يجربه أو يعرف عنه شيئا أن يخوض فيه بغلق الأبواب والتضييق على الناس .

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]