عودة إلى الصفحة الرئيسية

مفترق طرق .. أ.د كمال حطاب

21 March 2026

كثيرا ما يصل الإنسان إلى مفترق طرق، كما في آخر فيلم كاست أوي ، حيث وجد توم هانز نفسه على مفترق طرق ولا يدري إلى أين؟ وبأي اتجاه يذهب ، طبعا بعد أن نجا من تحطم طائرة إلى جزيرة عاش فيها عدة سنوات دون أن يرى بشرا ، ولما عُثر عليه وعاد إلى بلده وجد زوجته قد تزوجت .. وأصحابه قد نسوه .. ووقف على مفترق طرق لا يدري ماذا يفعل ..
يبدو أن كل إنسان يمكن أن يجد نفسه في هذا الموقف .. وبالتالي لا بد أن تكون لديه أدوار متجددة وأهداف لا تنتهي لكي يشعر بالحماس لتنفيذها ويشعر بالشغف عندما يسعى إليها ..
إننا كمسلمين ، لنا أدوار وأهداف واضحة ، ومهما كانت مفترقات الطرق التي تواجهنا فلن نتوقف طويلا .. إن أهدافنا واضحة جدا ، وهي مقيدة بقوله تعالى ” ليبلوكم أيكم أحسن عملا ” .. وبقوله تعالى ” فاستبقوا الخيرات ” وتختلف الأهداف باختلاف الناس ومستوياتهم وميولهم وتخصصاتهم وما يمكنهم القيام به ، وفي ظل قوله تعالى ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” يمكن أن يبدأ الإنسان في حدود طاقته ..
ومع ذلك عند مفترقات الطرق الصعبة ، قد لا ندري أيها الأعمال الأكثر نفعا ، أو الأكثر أولوية ، والمشكلة أن نبقى عند مفترق الطرق ، نفاضل بين الأعمال دون أن نتقدم خطوة واحدة .. الكثيرون من رواد التنمية البشرية يقولون ابدأ بأكثرها سهولة وأكثرها أولوية عندك ، وحاول تجزئتها إلى أجزاء صغيرة جدا ، وابدأ بأصغر جزء منها ، وهكذا ..
لو عرضنا الأمر على شات جي بي تي فسوف يقول حدد الأهداف ومن ثم ابدأ بالأكثر أولوية بعد أن تقوم بعمل دراسة جدوى .. إلخ ..
فما هو الأولى أو الأكثر أولوية ؟ وكيف يمكن تجزئة هذه الأعمال ؟ كيف يمكن تقديم بعضها على بعض ؟ هذه هي المشكلة .. وهذا هو مفترق الطرق .. فما هي الحلول والاقتراحات ؟
يبدو أن الأكثر أولوية هو الذي ينسجم مع قوله تعالى ” فاستبقوا الخيرات ” وذلك لكل وفق تخصصه وميوله وما يستطيع إنجازه من أهداف .. ويبدو أن لكل إنسان أهداف واهتمامات تختلف من شخص إلى آخر .. وبالتالي لا بد من وضع أهداف واختيار الأهداف الأكثر أهمية والالتزام بتنفيذها ..
ومع كل ما تقدم فإن الجميع قد يواجهون مفترقات طرق استثنائية ، خاصة في الظروف الاستثنائية كالحروب والكوارث ، فالطالب قد ينقطع عن مواصلة دراسته ، والموظف قد ينقطع عن وظيفته ، وهكذا من جاءه عقد عمل قد لا يستطيع السفر ، ومن خطب وعلى وشك زواج قد لا يستطيع إتمام الزواج في ظل الظروف الاستثنائية .. وبالنسبة للمسلم فإن مثل هذه الأمور قد لا تعيقه عن مواصلة حياته ، خاصة في ظل الآيات المتقدمة ، وكذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فليغرسها ” فالمطلوب هو العمل ، وعليه يكون الجزاء ، أما الثمر فأمره إلى الله ، وهكذا في كل الأعمال المعلقة ، المطلوب هو الأخذ بالأسباب وعقد النية والعزيمة ، والبدء بتنفيذ العمل ، ومهما كانت النتائج ، فسوف تكون خيرا بإذن الله .. ولذلك فإن المسلم الملتزم بتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم ، لن يقف أو يطيل الوقوف عند مفترقات الطرق مهما كانت الظروف المحيطة .

خريجو الاقتصاد الإسلامي .. والمنافسة على المستوى الدولي أ.د كمال حطاب

20 January 2026

ضرب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان في كتابه ” العالم مستوٍ ” مثالا على قضية المنافسة على المستوى الدولي ، فقال بأن الهند مثلا تخرج سنويا مئات الآلاف من المحاسبين ، ومثلهم من المحامين ، والفنيين والمبرمجين ، وفي كافة المجالات ، ومعظم هؤلاء قد دخلوا السوق الأمريكي عبر الإنترنت ، فمعظم شركات وادي السيلكون ، توظف مبرمجين من الهند ، وكذلك مراجعي الحسابات ، والفنيين في تقارير الأشعة الطبية ، وغيرها ، ولم يكن هذا التوظيف حبا في الهنود بقدر ما هو السعي نحو اختصار الوقت والجهد والتكاليف ، فالموظف الهندي يتقاضى عشر ما يتقاضاه زميله الأمريكي وربما أقل بكثير ..
وهذا يعني أن الأفراد الأكثر تخصصا وتأهيلا وتدريبا يمكنهم المنافسة على المستوى الدولي وليس على المستوى المحلي فقط ، من أجل الحصول على فرص عمل أفضل ..
إن ثورة التكنولوجيا والاتصالات والبرمجيات أو التطبيقات البرمجية أوجدت فرص عمل بالملايين لعاملين من مختلف دول العالم ، فمثلا تطبيق أوبر أو كريم شغل ملايين العاملين على مستوى العالم ، كما أن أمازون باتت أكثر الشركات العالمية أرباحا نظرا لزيادة الطلب على السلع والخدمات عبر الإنترنت ، وكذلك برامج تطبيقات ، طلبات ، وكاريدج ، وغيرها من تطبيقات التوصيل المنزلي حققت أرباحا هائلة ، ووظفت عمالا بالملايين .
إن الأمر لا يقف عند مجال معين كالاتصالات والبرمجيات أو المحاسبة والقانون وأخصائي الأشعة كما تقدم ، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى كافة التخصصات ، فعلى مستوى الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية ، يكاد يتفق المتخصصون على وجود نقص كبير في أعداد الخريجين المؤهلين في مجالات التطهير ( purification ) والتدقيق الشرعي (Sharia Audit ) الداخلي والخارجي والالتزام الشرعي ( Shariah Compliance) ، وما تتطلبه هذه التخصصات من مهارات في الحوكمة ، والإفصاح ، ومقررات بازل ، ومعايير أيوفي ، ومعايير وأدلة IFSB… إلخ وإطار كوزو وإطار كاميلز .. إلخ إضافة إلى مهارات في المحاسبة والإحصاء والرياضيات ، والتعرف على التشريعات والقوانين المصرفية والتحكيم المصرفي .. إلخ .. كل ذلك يستلزم من خريجي الاقتصاد الإسلامي زيادة مهاراتهم في هذه المجالات باللغة العربية والإنجليزية ، والتحصن بأدوات المعرفة التكنولوجية وزيادة القدرات العلمية إلى أقصى درجة ممكنة .
إن المبدأ الأكثر تطبيقا على مستوى العالم حاليا هو مبدأ صراع البقاء أو البقاء للأصلح ، ، وبالتالي فكل من ليس مؤهلا لن يستطيع أن يجد له مكانا مناسبا ، وبالتالي لا بد من زيادة التأهيل وزيادة القوة في التخصص وزيادة الإعداد والتطوير والأخذ بكافة المستجدات في كافة المجالات .
إن انفتاح العالم على بعضه البعض ، يزيد من التحديات والضغوط على الأفراد من أجل زيادة التأهيل وزيادة المهارات ، فالمنافسة الآن هي في الحقيقة على مستوى عالمي ، وهذا يفتح المجال للأفراد الأكثر تخصصا وتأهيلا وتدريبا للحصول على فرص عمل أكثر وأفضل ..

علم الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي أ.د كمال حطاب

20 November 2025

الاقتصاد كلمة مشوقة جاذبة ، يتعلق بها كل من يسمع بها ، على أمل أن تتحسن أوضاعه الاقتصادية ، ولعلها تزداد ممتلكاته أو أمواله من خلال التقرب من معاني هذه الكلمة ..
وبالرغم من وجود بعض القوانين والنظريات الاقتصادية المؤكدة، مع افتراض ثبات العوامل الأخرى كما يقولون .. فإن الاقتصاد المعاصر في مجمله ، يقوم على عدد كبير من المتغيرات الهلامية التي يصعب السيطرة عليها أو تحديدها .. فما أن تتخيل أنك قد أحطت بالكثير منها فإذا بها تتفلت من بين يديك وتتبخر من عقلك وتحل مكانها مصطلحات أخرى أكثر غموضا وتبخرا ..
أما الاقتصاد الإسلامي فهو ضوابط ربانية ومحددات شرعية وأدوات إسلامية اجتهادية سيطرت على المتغيرات الهلامية فزادتها قوة وثباتا .. وأعادت تشكليها بما يخدم الإنسان والبشرية عموما .
إن الاقتصاد الإسلامي هو المنقذ للبشرية من سحر الاقتصاد وشعوذة المالية والبورصات والمقامرات والمضاربات وطغيان حيتان المال وجشعهم ..
الاقتصاد الإسلامي يمتلك أدوات من شأنها إعادة الاستقرار إلى الأسواق المالية المضطربة والقلقة في نيويورك وطوكيو ولندن وغيرها من عواصم العالم ..
الاقتصاد الإسلامي بصيغته العالمية هو المنهج الرباني الذي اختاره الله للبشرية ليتعانوا على البر والتقوى وزيادة الإعمار بالخير وزيادة الصالح والتقليل من الفاسد .
ومع ذلك فإن كافة العلوم لا تنفصل عن بعضها البعض ، فعلم الاقتصاد وعلم الرياضيات والإحصاء والتاريخ والطب والهندسة .. إلخ ، وغيرها من العلوم ، هي علوم ربانية ذات علاقة قوية ببعضها البعض ، وهي هبة الله للمجتهدين من البشر ، وما تشتمل عليه من قوانين هي من صنع الله ، وليس للإنسان من فضل سوى الكشف عما صنعه الله عز وجل .. بما يزيد في تعاون البشر مع بعضهم البعض وانتفاع بعضهم ببعض ، كما يزيد في تسخير هذه الأرض وما عليها لخدمة الإنسان .. بما ينسجم مع مهمة الإعمار ومهمة الاستخلاف التي كلف بها الإنسان في هذه الأرض ..
وعلى ذلك فإن استخدام هذه العلوم والقوانين التي اشتملت عليها فيما لا ينفع الناس هو أمر غير مقبول .. فاستخدام علوم الكيمياء في تصنيع أسلحة الدمار الشامل هو استخدام غير مشروع وكذلك علوم الفيزياء والطب وغيرها من العلوم .. واستخدام علم الاقتصاد والرياضيات والإحصاء من أجل تحقيق الأرباح في المقامرات والمضاربات والمراهنات هو أمر مرفوض شرعا ، وكذلك إنتاج المحرمات والسلع الضارة .. وكذلك استخدام إدوات الظلم العالمي كالربا والغش والاحتيال والبيع بالهامش وبيع الديون والمشتقات .. كلها وسائل غير مشروعة .. حتى لو أدى ذلك إلى تعظيم الأرباح وزيادة المكاسب بنسب كبيرة ..
وعليه فإن الاقتصاد الإسلامي هو العلم الذي يسمح بتعظيم الأرباح وزيادة المكاسب من خلال الاستخدام الأمثل والمشروع للموارد الإنتاجية من أجل زيادة الإنتاج الأمثل من الطيبات وتحقيق التوزيع الأمثل والأكثر عدالة من أجل تلبية الاحتياجات الأكثر أولوية ومشروعية .

.. الاقتصاد الجزئي والكلي والاقتصاد الإسلامي .. أ.د كمال حطاب

20 November 2025

أ.د كمال حطاب
أثناء رئاستي لقسم الاقتصاد والمصارف الإسلامية في جامعة اليرموك قبل عشرين عاما ، كان يأتيني بعض طلبة الدراسات العليا مطالبين بإعفائهم من مواد الاقتصاد الجزئي والكلي والرياضي ، وكانت هذه المواد عبارة عن مواد استدراكية يدرسونها في ذلك الوقت في كلية الاقتصاد .. وكان البعض منهم يقول بأنهم لا يفهمون شيئا من هذه المواد ، وكنت أستغرب ذلك منهم ، فأنا أعرف هذه المواد ، وقد درستها طالبا ، ودرّستها أستاذا في عدد من الجامعات ، ولم أجد هذه الشكوى من قبل .. ولذلك كنت أشجع طلابي بكافة الوسائل التشجيعية من أجل أن يكملوا دراسة هذه المواد ، وخاصة أنها مصادق عليها في الخطة الدراسية .
وقد بحثت في سر هذه الشكوى والصعوبة التي يواجهها الطلبة من هذه المواد ، فوجدت أنها تعود إلى الخلفية الدراسية للطالب ، فإذا كان قد درس الرياضيات والإحصاء من قبل فسوف تكون سهلة ، وإلا فإنه سيجدها في غاية الصعوبة ، نظرا لارتباط هذه المواد بالرياضيات والإحصاء ، بالرغم من أن مسائل الرياضيات الملحقة بعلم الاقتصاد الجزئي بشكل خاص لا تتعدى بعض التحليلات البيانية والمعادلات الرياضية البسيطة وقوانين المنفعة والمستهلك والمنتج ودوال الإنتاج والتكاليف .. إلخ
وعندما ظهرت البرامج الأولى في الاقتصاد الإسلامي في الجامعات ، وأدرجت مواد الاقتصاد الإسلامي الجزئي والكلي فيها ، وجدنا صعوبة وغموضا لدى الطلبة الذين لم يدرسوا الرياضيات والإحصاء من قبل .. وكذلك لدى الأساتذة الذين لم يتقنوا هذه العلوم من قبل ، فقاموا بتدريس هذه المواد بأساليب وأدوات غامضة ، فانعكس هذا الغموض وهذه الصعوبة على الطلبة الذين أخذوا يظهرون آهاتهم وآلامهم نتيجة هذا الوضع .
في الحقيقة لا يوجد علم صعب وعلم سهل ، فالعلوم كلها سهلة لمن تعلمها بشكل صحيح ومنهجية سليمة وأصول علمية منطقية ، أما إذا كان العلم غامضا فقد يعود إلى عدم الإلمام بأصوله ومبادئه ، نظرا لغموضه عند من كتبوا فيه ، وقد يكون الغموض لديهم نظرا لعدم إحاطتهم بالمدخلات الصحيحة للعلم ، وفي حالة الاقتصاد ، لا بد من الإحاطة بالرياضيات والإحصاء ، ومن لم يتقن هذه العلوم فلا بد أن يكون الاقتصاد لديهم صعبا وغامضا ، خاصة الاقتصاد الجزئي والكلي والرياضي ..

إن مواد الاقتصاد الجزئي والكلي والرياضي والقياسي من العلوم النافعة التي تزيد في فهم وتحليل أسباب الظواهر والمتغيرات الاقتصادية ، وبالتالي تسهم في وضع الحلول للمشكلات والأزمات الاقتصادية ، ولذلك توجد حاجة ماسة لهذه المواد من أجل تشخيص المشكلات الاقتصادية ووضع الحلول والعلاجات المناسبة لها، إضافة إلى التنبؤ بالحلول والعلاجات لما يمكن أن يظهر من مشكلات اقتصادية . وربما يمكن الاستغناء عن هذه المواد في حالة واحدة وهي وجود مواد أكثر تطورا وشمولا ، كمواد الذكاء الاصطناعي والبرمجة اللغوية والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية وغيرها من المواد العصرية التي أصبح الإلمام بها ضروريا في معظم العلوم .

غزة .. تُغير التاريخ أ.د كمال حطاب

28 October 2025

تغير التاريخ بعد حطين وهزم الصليبيون وانتهى حكمهم في بلاد المسلمين ، وتغير التاريخ بعد عين جالوت وهزم المغول وانتهى احتلالهم لبلاد المسلمين .. ولا بد أن يتغير التاريخ بعد غزة ويهزم الصهاينة .. ويزول الاحتلال ..
إن المزيد من الإعداد والبناء والتضحية والصمود والتحدي والإرادة .. يمكن أن تحرك الجبال وتغير التاريخ وتعيد كتابته من جديد ..
إن الأمثلة والنماذج التي قدمتها غزة دخلت التاريخ من أوسع أبوابه .. فإذا كان للتضحية والعطاء والإيثار والشجاعة والإقدام والبطولة والصبر والصمود والاحتساب والحلم والثبات .. من نماذج فسوف نجد في غزة عشرات الآلاف من الأمثلة والنماذج التي تستحق أن تسطر وتروى للأجيال وللبشرية ..
إن الدروس المستفادة من أهل غزة سوف تبقى تدرس في كتب التاريخ وتتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل .. كمصادر للعزة والمجد والفخر والصمود والتحدي وتحقيق النصر ودحر المحتلين ..
إن هذا الصمود الأسطوري رغم القتل والتجويع والدمار الشامل هو الذي سوف يغير التاريخ ويحقق النصر ويكون بداية الهزيمة والأفول لدولة الاحتلال ..
إن التاريخ لا يتغير لأمة رضيت بالذل والهوان والقعود والتبعية .. وإنما يتغير للأمم الأكثر قوة وعزيمة وثباتا وتضحية واستقلالية واعتزازا بمبادئها وحفظا لأمجادها وتاريخها ..
ماذا بقي لأهل غزة لكي يقدموه .. ومن خلاله يتحقق النصر .. وينهزم الاحتلال ومن وراءه .. ما الذي يمكنهم أن يفعلوه أكثر مما فعلوا ؟ كيف سيغيرون التاريخ حقيقة ..
إن معظم أهل غزة يحفظون الآيات والأحاديث التي وردت في الشهادة والشهداء، ويطبقونها عمليا .. في كل لحظة وفي كل ساعة .. ويتعايشون معها بقلوبهم وأرواحهم .. فتختلط لديهم رائحة الموت برائحة الجنة ، ورائحة دماء الشهداء بريح المسك والعنبر ..
في غزة سجل التاريخ أعلى درجات البطولة من المسافة صفر .. كما سجل أعلى درجات التضحية والعطاء والإيثار .. وأعلى درجات الصدق والمصداقية والوفاء .. فمن تعهد بتحرير الأسرى أوفى بعهده وأخرج عشرات ومئات الأسرى ممن كان لديهم المؤبدات .. وفوق ذلك قدم روحه ودمه فداء لهم .. وعرف العالم من يحترم عهده وميثاقه ممن يخون العهد وينكث العهد ولا يرقب في بشر ولا حجر إلا ولا ذمة ..
في غزة تصنع التضحية والإيثار ويتقاسم الناس أفراحهم وأحزانهم مع سيل الدم النازف .. يتقاسمون البسمة كما يتقاسمون اللقمة وقطرة الماء .. يتقاسمون الأكفان كما يتقاسمون الأحزان وتختلط دموع الفرح بدموع الوداع ولوعة الاشتياق بمرارة الفقد ..
في غزة للموت والحياة طعم آخر .. طعم بلون الدم ورائحة المسك .. بمذاق الشهادة وفرح الشهادة وزغاريد أمهات الشهداء .. ويتعانق الشهداء العظام مع من سبقهم من الشهداء ” مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ” ..
هذه المعاني .. والقيم الأصيلة .. ومخرجات عامين من الصمود الأسطوري .. والإصرار على الاستمرار في الصمود والتحدي هي التي سوف تدحر الاحتلال وتحقق النصر .. فحجارة غزة وصخورها وأنفاقها سوف تبتلع المحتل وأعوانه ولن يجدوا لهم مخرجا سوى الهزيمة والاندحار والتبار ..

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]