عودة إلى الصفحة الرئيسية

زلزال تركيا ورأسمالية الكوارث … أ.د كمال حطاب

06 February 2023

نقلت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المشاهد المؤلمة والمفجعة للآثار التي تركها الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا صبيحة هذا اليوم .. وتزايدت أعداد الضحايا والجرحى والمفقودين حتى بلغوا الآلاف وربما عشرات الآلاف .. نسأل الله أن يرحم الشهداء ويشفي الجرحى وينقذ المفقودين الأحياء ، ويفرج عنهم أجمعين ..
إن من أساسيات الإيمان أن المصائب والكوارث هي ابتلاءات ربانية تواجه الناس باختلاف أوضاعهم ودرجاتهم الإيمانية فقد تكون امتحانا أوتصفية وتنقية للإيمان ، وقد تكون اصطفاء من الله ، قد تكون عقوبة للظالمين المعاندين المنتهكين حرمات الله .. إلخ . وقد وضحت سورة آل عمران بعض هذه الجوانب في أعقاب غزوة أحد ، وهزيمة المسلمين ، وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى ..
تداعت كثير من الدول العربية والإسلامية إلى المساعدة بإرسال فرق للإنقاذ وأساطيل جوية للمساعدات ، وهو أمر طبيعي وليس غريبا على هذه الأمة التي اكتسبت صفة الخيرية منذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها .
غير أن الملفت للنظر أن كثيرا من الدول الأجنبية أبدت استعدادها لتقديم المساعدة ، وعزمها على تقديم المساعدة ، وقلقها من حجم الأضرار ، وحزنها على الضحايا ، دون أن تحرك ساكنا ، وقد عودتنا كثير من هذه الدول الرأسمالية على استغلال الكوارث من أجل حساباتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية .. بحيث تترافق مساعداتهم مع خطط إعلامية تترافق مع المعونات تؤدي إلى تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية ..
وقد تحدثت نعومي كلاين صاحبة كتاب ” عقيدة الصدمة ورأسمالية الكوارث ” عن هذا الموضوع بتفصيل كبير .. فهذه الدول ومن خلال شركاتها الكبرى المتعددة الجنسية ، تستغل الكارثة وحالة الصدمة المرافقة لها من أجل أن تفرض شروطها لتقديم المساعدات بشكل يخدم مصالحها واستمرارية وجودها في الدول المنكوية .
إن رأسمالية الكوارث تقتضي أن تقوم الدول الرأسمالية باستغلال الكارثة الطبيعية لمصالحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فتسارع إلى تقديم المساعدات لتضمن ولاء الدول المنكوبة وبالتالي خضوعها لبرامجها ومصالحها الاقتصادية ، وذلك من خلال الحصول على عقود لإعادة الإعمار والبناء ، كما حدث في العراق ، وكما حدث من قبل في هايتي في أعقاب زلزال هاييتي عام 2010 والذي راح ضحيته ما يزيد على 300 ألف قتيلا .
إن الدول الرأسمالية والولايات المتحدة بشكل خاص لديها خبرة كبيرة في ترويض حكومات الدول الضعيفة من أجل تسويق مصالحها الاقتصادية ، بما يضمن تبعية حالة الطلب في أسواق الدول الضعيفة لحالة العرض في أسواق الدول المتبوعة خاصة في مجال المعدات العسكرية وصفقات السلاح ومواقفها في المحافل الدولية .
غير أنها في حالة تركيا لن تنجح غالبا ، وبالتالي فلا مصلحة لها في المساعدات إلا بما يقتضيه المشهد الإعلامي والتصريحات الدبلوماسية .
إن رأسمالية الكوارث هي شكل آخر من كوارث الرأسمالية التي قد تفتعل حروبا يقتل فيها آلاف وملايين البشر مقابل أن تستمر مصالحها المادية وأرباحها الفلكية .

سنن المسخ والاستئصال والإمهال … أ.دكمال حطاب

27 January 2023

مما هو ثابت في المحكم من القرآن الكريم ، قوله تعالى ” وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ” ( البقرة ، 65 ) فالمسخ حدث لفئة من اليهود ، وهم الذين اعتدوا في الصيد يوم السبت ، وهؤلاء بلغت تجاوزاتهم حدودا لا يمكن لهم أن يستمروا بعدها ، تجاوزات غير مسموح بها ، ولا شك أنهم قد أنذروا قبل ذلك ، وربما طلبوا من نبيهم أن يتحقق ذلك العقاب كما طلب آخرون من قبلهم أو بعدهم .. فأنزل الله بهم عذاب المسخ .. ومع ذلك فقد استمر بقية اليهود الآخرين على فسادهم وطغيانهم وعصيانهم لأنبيائهم باستثناء القلة القليلة المؤمنة ، رغم وجود هؤلاء القردة الممسوخين في ذلك الزمن ، واختلاطهم بمن تبقى من اليهود وعلى وجهوهم الندم والحسرة والدموع كما تفيد بعض الروايات .
لماذا لم يدعُ موسى على قومه ، كما دعا نوح ” وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ” (نوح 26 ) ، رغم أن ما قام به بنو إسرائيل من كفر ، وقتل للأنبياء، ومتاجرة بآيات الله وكتبه ، أكبر بكثير مما فعله قوم نوح . لماذا لم يدع عليهم ويخلص البشرية من شرورهم وأذاهم وباطلهم ؟ لماذا لم يعاقبوا كما عوقبت ثمود وعاد وفرعون وغيرهم من الأقوام البائدة ؟ لماذا لم يُستأصلوا ويجتثوا من الأرض فترتاح البشرية من فسادهم وظلمهم ؟
مما لا شك فيه أن لله حكم عظيمة في استمرار وجودهم ، ومعاصرتهم لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، واستمرارهم إلى ما قبل قيام الساعة .
إن حكمة الله البالغة اقتضت أن تبقى هذه السلالة لكي يكونوا دليلا دامغا على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم . ومن أجل أن يتم دحض كافة شبهاتهم العقائدية وهم أهل الكتاب وأهل العلم في ذلك الزمان ، وبالتالي تستقر عقيدة المسلمين على أمور واضحة لا لبس فيها .
لقد تكفل القرآن في كشف حججهم ومؤامراتهم وما يخفونه من علم حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما يبطنونه من دسائس ومؤامرات ، بما يؤدي إلى زيادة يقين المؤمنين وإزالة الشك لدى المتشككين .
لقد أعطوا الفرصة تلو الفرصة من أجل إثبات كذب النبوة ، ولم يستطيعوا ، مما دل على كذبهم وسوء طويتهم ، وفي ذلك درس تلو الآخر للمشركين والمتشككين .
لقد بلغت إساءات اليهود للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابة أشد من إساءاتهم للمسلمين في الوقت الحاضر ، ومع ذلك فقد صبر النبي عليهم في البداية ، ووقع معهم ومع كافة أهل يثرب وما حولها وثيقة المدينة ، بأن لهم من الحقوق ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ، وأن يتعاقلوا ويتكافلوا ويفدوا بعضهم بعضا .. إلخ ، ومع ذلك قام بنو قينقاع وبنو النضير بالغدر فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وغنم المسلمون أموالهم وحصونهم ، وقام بنو قريظة بالخيانة العظمى عندما تحالفوا مع المشركين ضد المسلمين ، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وقتل الخائنين منهم ، وكذلك يهود خيبر حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وغنم المسلمون أموالهم وحصونهم .. وهكذا كانت أفعال اليهود في المدينة تتراوح بين الغدر والخيانة والمؤامرات على النبي صلى الله عليه وسلم .
اقتضت حكمة الله أن لا يُستأصل اليهود ، وأن يبقوا إلى قيام الساعة ، من أجل إقامة الحجة على البشرية ، فالحق واضح والباطل واضح ، فمن أراد أن يسير في صف الباطل وأن يدعم الباطل ، ويدعم الاحتلال والقتل والاغتصاب وتشريد الناس من بيوتهم فقد أقيمت عليه الحجة ..
إنهم اليوم في فلسطين يمارسون أفظع أشكال الجرائم ، القتل اليومي والتشريد ، وهدم البيوت ، والاعتداء على الحرمات ، والمقدسات ، والتضييق على الناس والحصار ، يمارسون كافة أشكال الأذى والجرائم التي يمكن أن يتصورها البشر .. وينتهكون القانون الدولي بكافة أجزائه وفروعة خاصة ذلك القانون الذي يحمي الشعوب المحتلة والقانون الإنساني الدولي .. دون أن يحسبوا حسابا لأحد .. ودون أن يوقفهم أحد .. بل إنهم مدعومون من قبل كثير من الدول التي تمثل الشرعية الدولية في هذه الأيام ..
إن لله عز وجل في خلقه سنن ونواميس ، ومنها أنه يمهل ولا يهمل ، فالإمهال والإنظار أعطي لإبليس اللعين عندما قال أنظرني إلى يوم يبعثون ، وكذلك أعطي لشياطين بني إسرائيل ، من أجل إقامة الحجة الكاملة عليهم ، وعلى كل من يقف إلى جانبهم .

مأسسة المقاطعة الاقتصادية .. أ.د كمال حطاب

24 January 2023

تثور حمية المسلمين كلما انتهكت حرمات الإسلام الكبرى من خلال الإساءة أو الاعتداء على كتاب الله أو الإساءة إلى نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم أو انتهاك قداسة المسجد الأقصى وغيره من المقدسات الإسلامية ، وتهدأ هذه الحمية وتخبو مع تراجع المعتدين وتوجيه الاعتذارات الدبلوماسية من بلدانهم وحكوماتهم إلى حكومات البلدان الإسلامية ..
وتأخذ هذه الحمية أشكالا متعددة قد تظهر في الهاشتاجات أو البوستات على الفيس بوك الداعية إلى المقاطعة ، وقد تكون على شكل مظاهرات سلمية في الشوارع تدعو إلى طرد السفير ومقاطعة المنتجات المستوردة .. إلخ ، وقد تكون بحرق أعلام الدول المسيئة وبعض رموزهم .
ويبدو أن إقدام أحد المتطرفين السويدين على حرق نسخة من المصحف الكريم ، قد أثار حمية المسلمين من جديد ، وظهرت هذه الحمية على شكل ردود فعل غاضبة من قبل شعوب وحكومات معظم الدول الإسلامية ، ولا تزال النار التي أحرق بها ذلك المتطرف نسخة من القرآن الكريم ، متأججة في معظم دول العالم ، وقد بدأت الاعتذارات والإدانات تتوالى من حكومة السويد ومسؤوليها ومسؤولي العديد من دول العالم .
وقد كنت دعوت في أكثر من مقال سابق مثل ” حرم دنانيرهم ” و مقال ” لماذا يكرهون محمدا صلى الله عليه وسلم ” وغيرها من المقالات إلى ضرورة مأسسة حملات المقاطعة بحيث يتم تأسيس جمعيات خاصة بالمقاطعة ، تتابع إصدار تشريعات وقوانين ضد الجهات المسيئة أو المعادية ، بحيث يتم متابعة هؤلاء وتقديمهم إلى محاكمات دولية أو محلية أو منعهم من دخول بلاد المسلمين إذا لم نستطع محاكمتهم .
كما يمكن لهذه الجمعيات أن تقوم برصد الحركات المتطرفة المعادية للإسلام والمسلمين والتحذير من خطرهم بمخاطبة حكومات دولهم وتوعيتهم حول الآثار الاقتصادية التي ستنجم عن الإساءات والتجاوزات التي ترتكبها هذه الحركات المتطرفة ..
إن معظم الدول والحكومات الغربية الرأسمالية لا تفهم إلا بلغة الاقتصاد والخسائر التي ستلحق بهم نتيجة الإساءة إلى الإسلام ورموز الإسلام .. وقد رأينا ذلك في إساءات فرنسا وهولندا من قبل .. وكيف تراجعت الحكومات وقدمت الاعتذارات تلو الاعتذارات نظرا للخسائر الكارثية التي لحقت بهم .
إن السويد لا تختلف حالا عن تلك الدول ، ولو نظرنا إلى وضع بعض الشركات السويدية في العالم الإسلامي ، مثل إيكيا ، وإتش أند إم على سبيل المثال ، فسوف نجد أن هذه الشركات لها تأثير كبير في الناتج القومي السويدي ..
فشركة إتش أند إم للملابس الجاهزة تمتلك أكثر من 4500 متجرا منتشرة في 62 بلدا ، ويعمل فيها 132000 شخصا ، بينما تمتلك شركة الأثاث العالمي السويدية المعروفة ب” آيكيا” أكثر من أربعمئة متجر في أكثر من خمسين دولة من دول العالم ، ويعمل فيها 163 ألفا .. إضافة إلى شركة إريكسون وفولفو .. وغيرها
إن حجم الخسائر التي ستلحق بهذه الشركات بعد المقاطعة سيكون كارثيا ، وبالتالي سوف تعيد حكومة السويد حساباتها ، وكذلك الحكومات التي تسمح بحرية التعبير في مجال الإساءة إلى الإسلام والمسلمين ، ولا تسمح بحرية التعبير في مجال تمزيق علم المثليين مثلا أو الحديث عن الهولوكوست أو غيرها مما يعتبرونه جرائم ..
لقد نجح اليهود عبر العالم في إصدار قوانين تجرم أي اعتراض عليهم تحت شعار معاداة السامية ، وتجريم أي مُنكِر لمحارق اليهود (الهولوكست) ، كما فعلوا مع المفكر الفرنسي روجيه جارودي ، عندما ألقوا به في السجن بسبب كتابه حول الأساطير الصهيونية ..
فمتى ينجح المسلمون في إصدار قوانين تجرم الإساءة إلى دينهم ونبيهم وقرآنهم ؟ ومتى يمكنهم أن يستخدموا هذه القوانين إذا نجحوا في إصدارها في إدانة هؤلاء المسيئين وتقديمهم إلى المحاكم واتخاذ إجراءات رادعة بحقهم ؟ متى يمكنهم أن يضعوا قوائم لكبار المتطرفين المسيئين للإسلام والمسلمين حول العالم من أجل التحذير منهم وتقديمهم إلى المحاكم الدولية ، ومنعهم من الحركة والانتقال بين الدول بحرية ؟
إن مؤسسات أو جمعيات المقاطعة المقترحة منوط بها القيام ببعض هذه الأعمال ، إضافة إلى استمرارية مراقبة ورصد كل ما يحاك ضد المسلمين من مكائد ومؤامرات .. وما يخطط لهم من أزمات وكوارث .. وما يشاع بينهم من إشاعات تحريضية وكيدية ..
ولا ننسى الدور الأساسي لهذه الجمعيات وهو تنظيم حملات المقاطعة للمنتجات المسيئة ومتابعة هذه المقاطعة بشكل مهني بعيدا عن العاطفة والحمية فقط .. بحيث يتم قياس حجم الأثر في كل مجتمعات المسلمين وقياس حجم الأثر الاقتصادي الناجم عن المقاطعة ، وتعزيز المقاطعة الضعيفة وتحفيز المقاطعة القوية بحيث يكون لهذه المقاطعة آثار مستقبلية ، يحسب لها ألف حساب من قبل كل من يحاول أن يقوم بعمل يسيء فيه إلى الثوابت والرموز والمقدسات الإسلامية .

المنفعة الحدية عند الأغنياء والفقراء أ.د كمال حطاب

19 January 2023

المنفعة الحدية عند الأغنياء والفقراء

أ.د كمال حطاب

تطلق المنفعة الحدية في الاقتصاد على منفعة الوحدة الأخيرة من أية سلعة يتم الحصول عليها بقصد الامتلاك أو الاستهلاك أو أي قصد آخر .. وهذه المنفعة تتناقص كميا كلما زاد الإنسان في استهلاكه .. إلى أن تصل إلى الصفر .. ومن أجل أن تبقى المنفعة الحدية عالية فينبغي أن يتوقف الاستهلاك عند حد معين يكون فيه الإشباع قويا ومفيدا وممتعا .. ولكي يتجدد هذا الإشباع فينبغي التنازل عن هذه الأموال بالإنفاق المستمر ، حتى يجد الإنسان للأموال المتبقية لديه منفعة أكبر ومتعة أكبر ..
كما أن كثرة الأموال تؤدي إلى تناقص منفعتها الحدية حتى تكاد تصل إلى الصفر ، وعندها لا يعرف الإنسان أين يصرف النقود وماذا يفعل بها ؟ فيبدأ بالتبذير والسرف وربما يدخل إلى مرحلة الترف ..
وهذا يقودنا إلى أن من مصلحة الأغنياء أن ينفقوا أموالهم ويستمتعوا بها أثناء شبابهم وصحتهم أفضل من أن يتركوها حتى يعمروا والسبب أنهم بعد أن يعمروا لن يجدوا متعة لتلك الأموال ولذلك الإنفاق .. كتلك المتعة التي كان يمكن الحصول عليها في سن مبكرة .
ووفقا لقوانين المنفعة فإن المنفعة الحدية لكل شيء تتناقص إذا زاد استهلاكه أو امتلاكه .. ومعنى ذلك ومن أجل أن تتزايد المنفعة الحدية للشيء فينبغي أن يتجدد الشوق له وذلك بالتخلي عنه أو مفارقته ، مفارقة تتضمن معنى الجزاء والتعويض .. الدنيوي والأخروي .. ومن هنا يمكن تفسير حديث ما نقص مال من صدقة .. لأن الصدقة تزيد في المنفعة الحدية للمال المتبقي كما تزيد من المنفعة للمال المؤمل عودته أو عودة ثماره ثوابا وبركة وزيادة إنتاج ..
ومن جهة أخرى فإن الإنفاق الموجه للفقراء الأشد حاجة سوف تكون منفعته الحدية أكبر بكثير من الإنفاق على فقراء أقل حاجة ، لأن الفقير الأشد حاجة يستطيع أن يشبع حاجات أساسية أكثر ، وبالتالي سوف يؤدي إلى توليد طلب أكبر ، بعكس الأقل حاجة والذي سيولد طلبا أقل ، أما توجيه الإنفاق إلى غير المحتاجين فإنه لن يؤدي إلى إشباع حاجات أساسية ، وربما يوجه الإنفاق إلى كماليات أو مضاربات أو الاكتناز في البنوك دون تشغيل .. وهذه الأنشطة لا تولد طلبا حقيقيا يمكن أن يحرك عجلة الاقتصاد ..
إن الحكمة في حث القرآن الكريم المتكرر على الإنفاق الدائم والمستمر وبالليل والنهار وعلى الفقراء والمساكين الأشد حاجة كالذين أحصروا أو لا يستطيعون ضربا في الأرض .. إن الحكمة الاقتصادية واضحة وهي ضرورة زيادة عجلة الاقتصاد من خلال إيجاد تيار نقدي دائم يلبي الحاجات ويخلق التشغيل وفرص العمل فيزيد الإنتاج والدخل ويزداد النمو الاقتصادي فيتحقق التقدم .. كما أن الحكمة الاجتماعية واضحة أيضا فالأغنياء اليوم ربما يكونون فقراء غدا ، والعكس ، وبالتالي لا بد من ايجاد تيار من التراحم والتكافل والتضامن بين أفراد المجتمع بحيث يقومون ببعضهم البعض لأن الجميع معرضون للكوارث والمصائب ، وبالتالي لا بد من استمرار تدفق الرحمة في القلوب ، واستمرار دوران المعروف بين الناس واستمرار الحمد والشكر لله ..
إن المنفعة الحدية للسعادة المكتسبة نتيجة العطاء والإنفاق ربما تتصادم مع قوانين المنفعة المشهورة ، فهي في تزايد دائم ولا يمكن أن تتوقف السعادة أو تصل إلى حدود تناقصية بسبب زيادة العطاء ، وكذلك المنفعة الحدية للشكر والحمد والمعروف ، فمهما بذل الإنسان من معروف فإنه لا يمكن أن يرتوي من ثمار المعروف التي يحس بها سعادة وراحة وطمأنينة وأمن واستقرار ..
وربما يمكن القول بأن هذه السعادة والطمأنينة هي مقدمات لما يتذوقه الإنسان في الجنة ، حيث المنفعة الحدية أيضا في تزايد دائم ، قال تعالى ” كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ” ( البقرة ، 25 ) وقال تعالى ” لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ” ( ق ، 35)

أموال لا تأكلها النيران .. أ.د كمال حطاب

14 January 2023

يردد بعض الناس عبارة سمعتها من أكثر من شخص ، وهي أن لديه أموالا تكفيه لولد الولد .. أو أن لديه أموالا لا تأكلها النيران ..إلخ فهل هذه عبارات مقبولة شرعا ؟ ..
مما لا شك فيه أن مثل هذه العبارات إذا قيلت في مجال حمد الله وشكره وبيان كثرة نعمه على العبد فلا شيء فيها ، ولكن الواضح أن أغلب من يطلق هذه العبارات يطلقها في مجال التفاخر والاعتداد بالنفس ، وعدم حاجته لأحد من البشر ، وليس في ذلك أيضا انحراف أو بعد عن الشريعة إذا كان يؤدي حق هذا المال ، من شكر لله واعتراف بنعمه وفضله .. مع ما في هذه العبارة من مبالغة وعدم واقعية .
المشكلة تظهر عندما يكون إطلاق هذه العبارات يتضمن التمرد والجحود لنعم الله والانتقاص من الآخرين ، وإرجاع الفضل في تحصيل هذا المال لجهده وذكائه وخبرته وامتلاكه طاقات لا يمتلكها معظم الناس .. عندها يكون حال هذا الشخص كحال قارون عندما نصحه قومه بشكر الله وعدم الفساد ، فرد عليهم بإرجاع الفضل كله لعلمه وذكائه ” قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ” ( القصص ، 78)
فكان عاقبته الخسف به وبداره وكنوزه التي لا يستطيع الرجال الأقوياء حمل مفاتيحها لضخامتها .. وجعله عبرة لمن يعتبر .
فهؤلاء الذين يرددون كلام قارون ، ويرجعون الفضل لعقولهم وجهودهم دون شكر الله واعتراف بفضله وكرمه .. يستحقون مصيرا كمصير قارون ..
إن حب المال وتكثيره هو غريزة إنسانية محترمة ، عندما يكون كسب المال وإنفاقه وتثميره وإدارته بطرق حلال وأدوات وأساليب مشروعة .. أما المفاخرة بالمال وكثرته والتباهي على خلق الله بكثرة المال فليس منهجا مقبولا إسلاميا وإنسانيا ..
ومن جهة أخرى فإن جمع المال وتكثيره ليس أمرا محمودا دائما ، ولا يعود بالخير على صاحبه ، ما لم يلتزم بضوابط شرعية ، فلا بد أن يخرج زكاته أولا ، ثم يؤدي ما على المال من حقوق ، والحقوق تشمل النفقة على الأهل والأقارب وكل من يلزمه نفقته ، حتى ولو كان في أقصى عشيرته ، إذا كان من الممكن أن يرث منه لو كان الوضع معكوسا لقوله تعالى ” وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ” ( البقرة ، 233 ) كما تشمل حقوق المال ، القرض الحسن ، والعارية ، إضافة إلى تشغيل المال ، فلا يصح أن يبقى المال محبوسا دون تشغيل لأنه يمكن أن يدخل في دائرة الاكتناز .
ومن تتبع مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه في تعامله مع المال النقدي فإننا نجد أنه لم يكن يحتفظ بالنقود أو لا يتركها تبيت عنده ، وكذلك كثير من الصحابة ، وهذا يشير إلى أن الأصل تشغيل المال وإنفاقه في السوق استهلاكا واستثمارا دنيويا وأخرويا ، وبمعنى آخر لا بد أن تكون الأموال النقدية متحركة ، وكلما ازدادت سرعة دوران النقود بمعنى انتقالها من يد إلى أخرى كلما ازداد المجتمع تشغيلا وإنتاجا وتقدما ، وكلما ازداد حبس النقود وكنزها في البنوك كلما ازداد المجتمع انكماشا وكسادا وتخلفا …
إن من يملك مالا لا تأكله النيران في ظنه ، سوف تأكله نفقات أصغر مرض قد يصيب الإنسان ، وإذا لم تأكله نفقات المرض ، وبقي المرض فإنه لا نفع فيه لصاحبه .. ولذلك فإن الأفضل من هذه العبارة هي عبارة الحمد لله والشكر لله ، لأنه هو واهب النعم وواهب المال ، وهو المالك الذي لا تنفد خزائنه ” وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ” ( المنافقون 7)

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]