عودة إلى الصفحة الرئيسية

زيت الأقصى.. وقود التحرير أ.د كمال حطاب

08 May 2022

مما لا شك فيه أن زيت الزيتون هو من أصفى وأنقى وأجود أنواع الزيوت ، خاصة في الإضاءة ، والدليل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى ” اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ .. ” ( النور ، 35)
ونظرا لانتشار أشجار الزيتون في بلاد الشام وفي فلسطين بشكل خاص ، فقد كان الناس يهدون زيوتهم إلى المسجد الأقصى عملا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الأقصى ” مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْتِيَهُ فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى إِلَيْهِ زَيْتًا كَانَ كَمَنْ قَدْ أَتَاهُ‏ ” ..
وقد عمل المسلمون بهذا الحديث على مدار القرون الماضية ، وكان تحت المسجد الأقصى بئر عميقة ، تعود إلى العصر الأموي ، يخزن فيها الزيت على مدار العام ، بحيث تضاء منه قناديل المسجد الأقصى التي تقدر بعشرات الآلاف ، خاصة في رمضان والمناسبات الدينية الأخرى كالأعياد والإسراء والمعراج وذكرى الهجرة النبوية وغيرها ..
ولا تزال هذه البئر موجودة حتى وقتنا الحاضر بالرغم من حفريات اليهود المتتالية ، ونبشهم المستمر تحت المسجد الأقصى ، وصورة هذه البئر موجودة على الإنترنت في بعض الأفلام الوثائقية ، وكذلك جرار الزيت ، والفوانيس التي كانت تضاء في المسجد الأقصى .
ومع انتشار الكهرباء ووصولها إلى المسجد الأقصى ، فهل يتوقف العمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل يتوقف الإهداء إلى الأقصى ؟ هل يتوقف شد الرحال إلى الأقصى كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم؟
مما لا شك فيه أن العمل بهذا الحديث لا يتوقف ، فإذا لم يكن الأقصى بحاجة إلى زيت للإضاءة فإنه بحاجة إلى أمور أخرى كثيرة .. خاصة بعد أن أصبح أسيرا تحت الاحتلال .. ويمارس الاحتلال فيه يوميا أبشع أشكال التعدي والإساءة .. وصدق فيه قول الشاعر ..
المسجد الأقصى يئن بحرقة .. مسرى الرسول يهيب بالعباد
لبوا الندا إن اليهود بساحتى .. فعلوا خسيس الفحش والإفساد
إن الأقصى بحاجة إلى رجال أحرار، يخلصونه من الأسر والاضطهاد وكافة أشكال الاعتداءات .. إن الأقصى بحاجة إلى أهل الرباط الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم .. في قوله” لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ كَذلكَ. وفي رواية ” قيل أين هم يا رسول الله قال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ”
إن المسجد الأقصى بحاجة إلى هؤلاء وإلى كل من يعزز صمودهم ورباطهم ، بحاجة إلى المؤازرة والمساندة والدعم والدعاء ..
وإذا لم يعد الأقصى بحاجة إلى زيت الإضاءة فإنه بحاجة إلى زيت الإيمان والعزيمة والقوة ، بحاجة إلى وقود المعركة ، معركة مقاومة الاحتلال ، معركة التحرير ، معركة تخليص الأسرى من القيود والمعتقلات والزنازين ، معركة الدفاع عن الأمة الإسلامية جمعاء ضد الصهاينة الغاصبين ..
إن زيت الأقصى هو رمز لكل وقود يمكن أن يقدم للأقصى في معركته مع الاحتلال ، رمز للكرامة والعزة ، رمز للقداسة والنور والحرية والتحرير .
إن زيت الأقصى هو رمز لكل كلمة حق ، تقال دفاعا عن الأقصى ، رمز لكل دعاء خفي لتحريره من أيدي الغاصبين ، رمز لكل إنكار للاحتلال حتى ولو كان أنكارا قلبيا ، وذلك أضعف الإيمان .

مشروعية المقاومة أ.د كمال حطاب

30 April 2022

مما لا شك فيه أن معظم البشر على اختلاف عقولهم ومواهبهم ومواقعهم ، يحلمون بالعيش في مجتمعات آمنة مطمئنة ، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، ومما لا شك فيه أيضا أن مثل هذه المجتمعات سوف تزدهر وتتقدم بشكل سريع إذا تحقق الأمن والسلام .
غير أن استقراء أحوال البشر عبر التاريخ يوضح أن المجتمعات الآمنة لا يمكن أن تبقى آمنة ما لم تكن قوية تستطيع الدفاع عن نفسها ، وفي غزو أوكرانيا في الوقت الحاضر درس وعبرة لكل الشعوب والدول التي تريد أن تصنع سلاما أو تقيم اتفاقيات سلام .
إن المقاومة حق طبيعي وفطري وإنساني ، نصت عليه الشرائع والمواثيق الدولية ، جاء في ميثاق الأمم المتحدة، في مادته (21 ) ما نصه ” ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول والشعوب، أفراداً أو جماعات، في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت عليها قوة مسلحة”.
وقبل ميثاق الأمم المتحدة بأربعة عشر قرنا ، جاء النص القرآني واضحا في قوله تعالى في سورة البقرة ” فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194).
غير أن الشرعية الدولية التي تكيل بمكاييل متعددة تتعاطف حاليا مع المقاومة في أوكرانيا ، وتدعم أوكرانيا بكل أشكال الدعم ، من مال وسلاح وإعلام .. إلخ ، وهو أمر محمود ، لأن نصرة المظلوم من الأمور الفطرية الإنسانية التي حثت عليها كافة الشرائع ، ولكن هذه الشرعية نفسها تعتبر ذلك محرما بحق الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب التي لا تزال ترزح تحت الاحتلال .
إن المقاومة تفرض حصانة وحماية للمجتمع ، بما يؤدي إلى أن يعيش الناس في أمن وسلام ، واستقرار وازدهار ، أما بدون مقاومة فإن هذا المجتمع سوف يكون مستباحا لكل طامع ، ومغنما لكل ظالم ، وبالتالي فلا استقرار ولا ازدهار ولا أمن أو سلام .
إن المقاومة هي السلاح الشرعي الذي تقره كافة الشرائع السماوية والمواثيق الدولية ، من أجل تحقيق الاستقرار والازدهار والتقدم ، والتعايش السلمي مع كافة الشعوب الحية الحرة التي تسعى إلى إحقاق الحق ورفع الظلم والعيش بسلام .
مارست الشعوب المحتلة في كافة البلدان وعلى مدار التاريخ حقها في المقاومة ، وخرجت الشعوب المتحررة بعد طرد الاحتلال أكثر قوة وأكثر حرية وإبداعا ، وتفوقت هذه الشعوب بعد الحرية في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد ، حتى بلغت في الاقتصاد والتقدم والرفاهية مبلغا عظيما .
فها هي أمريكا لم تتمكن من السير في طريق الازدهار والتقدم إلا بعد أن تحررت من الاحتلال الإنجليزي ، حيث يحتفل الأمريكيون في الرابع من تموز من كل عام بعيد الاستقلال ، وهكذا معظم دول العالم التي احتلت أراضيها ، لم تحقق التقدم الاقتصادي إلا بعد أن نالت حريتها وانطلقت دون قيود ..
إن السلام والازدهار والتقدم والنمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق في ظل الظلم والاضطهاد والاستغلال والتعدي على حقوق الناس ، وإن السلاح الوحيد الذي يمكن أن يضمن تحقيق السلام والاستقرار هو سلاح المقاومة .
إن حالة أوكرانيا في الوقت الحاضر وتعاطف المجتمع الدولي معها تمثل فرصة عظيمة للشعوب المحتلة لكي تدافع عن نفسها ، وترفع شعار المقاومة الشرعية التي يعترف بها المجتمع الدولي في أوكرانيا، وهي فرصة عظيمة لرفع الحصار عن قطاع غزة وعن الضفة الغربية ، وعن القدس والمسجد الأقصى ، وعن فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر ، خاصة في ظل تغير مواقف كثير من دول العالم تجاه ما يجري في الأراضي المحتلة ، وتغير الكثير من مواقف الصحفيين مثل مذيعة سي إن إن في لقائها مع رئيس وزراء دولة الاحتلال ..تجاه القضية الفلسطينية .
لقد آن الأوان لدبلوماسية المقاومة أن تتحرك من أجل استثمار هذه التغيرات في المواقف الدولية ، ومطالبة المجتمع الدولي والشرعية الدولية بمواقف أكثر عدالة وإنصافا للقضية الفلسطينية ، لأنها إن لم تفعل ذلك ، فسوف تفقد مصداقيتها عالميا ، وسوف تعمل الشعوب المحتلة على الدفاع عن نفسها ، واسترجاع حقوقها بعيدا عن الشرعية الدولية المتحيزة ذات المكاييل المتعددة .

أمريكا.. أرض الفرص والأحلام ؟؟ أ.د كمال حطاب

13 April 2022

في أمريكا أرض الفرص والأحلام كما يقولون ، وحيث يسعى كثير من الشباب في العالم وراء الحلم الأمريكي، لن تجد كافة الأمور كما هي في الأحلام أو الأفلام الهوليودية ، فالواقع في حقيقته مختلف كثيرا عما يحلم به الناس أو يرونه عبر شاشات السينما أو التلفزيون ، ومن خلال الأفلام أو البرامج التلفزيونية ..
فإذا أردت السكن فينبغي أن تختار منطقة أكثر أمنا ، من خلال مواقع التقييم المنتشرة على الإنترنت، حيث لكل منطقة تقييم محدد وفقا لمعدل الجريمة ، وحوادث السرقة ، وغيرها ، وغالبا ما تكون المناطق الأكثر أمنا هي المناطق الأغلى سعرا ، وبالتالي فإن تكاليف الحصول على الأمن كبيرة من حيث السكن ، ومن حيث اختيار مدرسة الأولاد ، وكذلك الأسواق ..
وإذا ما أردت تسهيلات بنكية ، فينبغي أن يكون لك سيرة ائتمانية مرتفعة ، ولن تحصل على معدل مرتفع ما لم يمض على وجودك في أمريكا عدة سنوات دون أي إخلال بالتزام أو تأخر في سداد أو أية ملاحظات سلبية، وينطبق نفس الأمر على المؤسسات المالية الإسلامية أو الربوية .
وإذا احتجت في أمريكا لأي دواء من الأدوية الشائعة في البلدان العربية فلن تستطيع أن تشتريه من الصيدلية ما لم يكن معك وصفة طبيب أمريكي ، وإذا أردت الحصول على موعد مع طبيب فربما تحتاج إلى عدة شهور ، إلا طبيب الطوارئ والذي سيتقاضى منك 150 دولار أو أكثر من أجل كتابة وصفة طبية لدواء معروف ..
وعندما تضطر إلى استخدام المواصلات العامة كالقطارات ، فليس الأمر كما هو في الأفلام ، فقد جربت شخصيا ركوب القطار أو المترو قبل ثلاثة شهور ، وفي المنطقة الواقعة بين أشهر جامعتين في العالم ، جامعة هارفارد وجامعة إم آي تي ، وكانت التجربة صعبة جدا . حيث ركبنا من محطة ” إل وايف ” في مدينة كامبردج ، ونزلنا الأدراج إلى المترو ، وقد كان منظرا صادما ، المحطة قديمة جدا ، وشبه خالية من الناس ، والإضاءة فيها ليست جيدة ، ويوجد كشك أو اثنين لبيع النثريات والمأكولات الخفيفة ، انتظرنا قليلا فوصل القطار ، ودخلنا في إحدى عرباته ، وكانت مفاجأة أيضا ، فالمقاعد شبه متآكلة ، حتى لا تكاد تميز بين الحديد وما عليه من بطانة أو قماش ، وخلال 20 دقيقة كنت قد أصبت بالدوار ، نظرا للضجيج والاهتزاز الشديد ، ونزلنا عند محطة ” كندال سكوير ” ، ولم تكن بأفضل من المحطة التي ركبنا منها ، وكانت تبعد أربع أو خمس محطات عن المكان الذي انطلقنا منه .
وقد جربت القطارات في تركيا وماليزيا ، ولم أجد أسوأ من هذا الذي تورطنا فيه . ففي ماليزيا تجد محطات القطار أشبه بالمطارات من حيث حركة الناس وكثرة المحلات التجارية والإضاءة الشديدة ، وتجد القطارات مريحة جدا . وكذلك في تركيا ورغم الازدحام إلا أن محطات المترو عبارة عن تحف معمارية في الغالب ، والقطارات على مختلف أشكالها مريحة جدا ، ومنظمة جدا .
وللإنصاف لا بد من القول بأن مسألة البنية التحتية في كثير من المرافق هي محل نظر الحكومة الأمريكية ، حيث يعلنون باستمرار بأن كثيرا من المرافق والبنية التحتية في أمريكا بحاجة إلى التجديد ، خاصة موضوع الطرق والقطارات ووسائل المواصلات ، وقد وافق الكونغرس الأمريكي في شهر نوفمبر الماضي ، على مشروع تجديد البنية التحتية ، وخصصوا له قريبا من تريليون دولار .. تحت عنوان infrastructure deal ” ” ، ويتوقع أن يوفر هذا المشروع آلاف فرص العمل للأمريكيين ، غير أن هذا المشروع قد يستغرق سنوات طويلة ، وهذه السنوات ستكون ثقيلة جدا على كل من يتخيل أمريكا أرض الفرص والأحلام .

قرارات مجمع الفقه الإسلامي بين التنظير والتطبيق أ.د كمال توفيق حطاب

25 March 2022

منذ ظهرت منظمة المؤتمر الإسلامي قبل أكثر من خمسين عاما ، وهي تصدر القرارات تلو القرارات في جميع المجالات ، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، آلاف القرارات لمؤتمرات القمة ووزراء الخارجية والداخلية و… إلخ ، قرارات تتراكم فوق بعضها كالجبال .. إلا أنها في الجانب العملي لم تزد حال الأمة إلا ضعفا وتفككا ، وقد انبثق عن هذه المنظمة عدد من المنظمات والوكالات والأجهزة ، يبدو أن حالها لا يختلف كثيرا عن حال هذه المنظمة .
ولعل من أبرز الأجهزة المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي ، مجمع الفقه الإسلامي الدولي والذي أنشيء بقرار من مؤتمر القمة للدول الإسلامية عام 1981 ، فهل يختلف حال هذا المجمع عن بقية الأجهزة والمراكز والمؤسسات التابعة للمنظمة ؟
فقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي منذ ظهوره حتى الآن مئات القرارات .. كان بعضها في الجانب السياسي والاجتماعي ، إضافة إلى الجوانب الصحية والطبية والعلمية .. إلخ ولكن معظم هذه القرارات كان في الجوانب الاقتصادية .. وبشكل خاص في المستجدات والمعاملات المالية المعاصرة .. وبمتابعة إحصائية لهذه القرارات ومدى تطبيقها ، ومدى التزام الأفراد والمؤسسات بها فإننا نلاحظ ما يلي :
:
– إن هذه القرارات معلمة وليست ملزمة ، فهي تشكل تراكما علميا مفيدا في كثير من المسائل والقضايا الفقهية المعاصرة .
– إن معظم العلماء الممثلّين في هذا المجمع هم العلماء المرشحون من قبل وزارات الأوقاف والهيئات الدينية في بلادهم .
– لا يوجد لمجمع الفقه الإسلامي آليات تنفيذية ، لمتابعة تنفيذ قراراته .. فهذه القرارات هي أقرب إلى التوصيات في الغالب .
– لا تقدم القرارات حلولا لمشكلات المجتمع في الغالب بقدر ما تقدم أحكاما شرعية بالجواز أو التحريم ، ولا توجد آليات متابعة لمدى التزام المجتمعات بهذه القرارات .
– إن مسألة الجواز أو التحريم لم تعد كافية للتأثير أو النهوض بحال المجتمعات وإنما لا بد من إيجاد البدائل عن الحرام والوسائل لتطبيق هذه البدائل ، ولا بد من إيجاد الأدوات التي تعين على تطبيق الحلال والحوافز التي تدعم التطبيق .
– يغلب على قرارات المجمع الجواز بضوابط ، وهذه القرارات يساء تطبيقها في الغالب ، حيث تعتبر المعاملات جائزة شرعا ، وتعتبر الضوابط مكملة أو ثانوية لدى كثير من المؤسسات المالية الإسلامية.

ومن أجل الارتقاء بعمل المجمع وتطوير آليات اتخاذ القرارات وتطبيقها عمليا ، لا بد من الخطوات التالية:
– العمل بنظام الحوكمة الإدارية وما يتطلبه ذلك من رشد وإفصاح وشفافية .
– توفر مهنية عالية عند مناقشة القرارات وآليات علمية وعملية محددة لصياغة هذه القرارات وتعميم الاستفادة منها .
– إيجاد آليات تنفيذية يمكن من خلالها تطبيق القرارات من قبل الجهات التنفيذية .
– إيجاد وحدة مختصة في أمانة المجمع لمتابعة تطبيق القرارات ، وما أحدثته من آثار اقتصادية واجتماعية وغيرها .
– لا بد من إشراك أكبر عدد من المتخصصين في العلوم الشرعية والعلوم الأخرى ، والاستفادة مما لدى العلوم الأخرى من مناهج بحثية متقدمة .
– عرض المشكلات المراد بحثها وفقا للأكثر أولوية وإلحاحا في المجتمعات الإسلامية .

إن مرور أكثر من أربعين عاما على صدور قرار تأسيس المجمع ، يشكل فترة زمنية كافية من أجل مراجعة آليات عمل المجمع ، وتقييم مدى استفادة المجتمعات الإسلامية من قراراته الصادرة خلال هذه الفترة .. ومن ثم محاولة إعادة صياغة الأهداف والرؤية والرسالة بما يخدم واقع الأمة عمليا قبل أن يخدمها نظريا.

الاقتصاد الإسلامي وفرص عمل الخريجين أ.د كمال حطاب

13 March 2022

عندما بدأت دراسة الاقتصاد الإسلامي في بداية الثمانينات في جامعة أم القرى ، كان برنامج الاقتصاد الإسلامي عبارة عن فرع أو شعبة تابعة لقسم أصول الفقه في الدراسات العليا في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، أما اليوم فالاقتصاد الإسلامي في جامعة أم القرى عبارة عن كلية قائمة بذاتها تسمى كلية العلوم المالية والاقتصادية الإسلامية ، تضم أربعة أقسام ، قسم للاقتصاد ، وآخر للتأمين ، وثالث للمصارف والأسواق المالية ، ورابع للتمويل ، وفي كل قسم برامج للبكالوريوس والماجستير والدكتوراه غالبا ، وكما ورد على موقع الكلية فإن كل برنامج له مراكز وظيفية بعد التخرج معلن عنها على موقع الجامعة سواء في المؤسسات الحكومية أو الخاصة ، كما أن لهذه البرامج اتفاقيات تدريبية مع المؤسسات الحكومية والخاصة قبل التخرج ..
ومنذ نهاية السبعينات من القرن الماضي تأسس المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز في جدة ، وقد استمر هذا المركز سنوات طويلة في رفد مسيرة البحث العلمي في الاقتصاد الإسلامي بمئات وآلاف الأبحاث في التخصص ، غير أنه تحول أخيرا إلى مؤسسة أكاديمية هي معهد الاقتصاد الإسلامي ، يضم ثلاثة أقسام ، قسم لعلوم وتطبيقات الاقتصاد الإسلامي ، وآخر لإدارة المخاطر والتأمين ، وثالث للتمويل الإسلامي .. ، ولو استعرضنا عددا من الأقسام المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي في عدد من الجامعات والمعاهد العالمية لوجدناها تتطور وتتغير ، بحيث تواكب التطورات المعاصرة الاقتصادية والمالية ، وبما يتوافق مع تطورات أسواق العمل ..
ومما تقدم ، يمكن القول بأن المسؤولية كبيرة على أقسام الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية في كل بلد أو في كل جامعة ، من أجل إعادة النظر في الخطط الدراسية بما يتناسب مع التغيرات والتطورات في سوق العمل ، فربما نكون بحاجة إلى برامج جديدة تتفرع عن أقسام الاقتصاد الإسلامي .. فمثلا يمكن أن توجد حاجة ماسة إلى برامج فرعية متعلقة بالحوكمة والإفصاح والنزاهة والشفافية ، أو برامج في التنمية أو مكافحة الفقر والبطالة ، أو في إدارة المخاطر ، والتأمين ، أو في الأسواق المالية ، أو الصكوك ، أو الاقتصاد الرقمي والاقتصاد السلوكي .. إلخ وربما وجدت حاجة الماسة إلى برامج أخرى أكثر مواكبة لسوق العمل .
إن الدول التي يغلب عليها القطاع الزراعي ، ويزدهر فيها الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية ، تتطلب أن تركز البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية على التمويل الزراعي من خلال السلم أو المشاركة بالمزارعة أو المساقاة .. ولذلك ينبغي أن تركز برامج الاقتصاد الإسلامي في الجامعات على هذه الجوانب ، فيكون الخريجون أكثر إلماما بها ، وأكثر كفاءة فيها .. بعكس الدول التي يغلب عليها القطاع الصناعي أو التجاري والائتماني ، وتتطلب التمويل من خلال الصكوك أو التأجير التمويلي أو المشاركة المتناقصة .. إلخ ، فينبغي أن تركز برامج الاقتصاد الإسلامي على هذه الجوانب ، حتى يكون الخريجون أكثر كفاءة وتميزا فيها ، وبالتالي تكون لهم الأولوية في التوظيف بعد التخرج .. وهكذا
إن مسؤولية إيجاد فرص عمل للخريجين تقع على أطراف عديدة ، لعل من أهمها الأقسام الأكاديمية والبرنامج الأكاديمي الذي يدرسه الطالب ، فبقدر ارتباط هذا البرنامج بسوق العمل ، ومراعاته لحاجة المجتمع ، بقدر ما يجد الخريجون فرص عمل تنتظرهم ، أما إذا كان البرنامج وخطة التخرج بعيدة عن الواقع يغلب عليها الجانب التنظيري ، فإن الخريجين سوف يعانون كثيرا قبل الوصول إلى فرص عمل .
إن المطلوب من الأقسام الأكاديمية المتخصصة عقد اجتماعات وورش عمل ودعوة كافة الأطراف ذات العلاقة بما فيها الأجهزة الحكومية من أجل اعتماد ما له أولوية كبرى ، وبما يتفق مع متطلبات سوق العمل ، بحيث يتم تفعيل هذه البرامج في خدمة المجتمع والنهوض بكافة قطاعاته ومؤسساته .
إن هذه الاجتماعات والورش المقترحة ينبغي أن تكون منعقدة بشكل دائم ، بحيث يتم مراعاة كافة المستجدات والمتغيرات على الواقع الأكاديمي وعلى سوق العمل ، وكذلك مراعاة مؤشرات الأوضاع الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية .

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]