عودة إلى الصفحة الرئيسية

المنفعة الحدية عند الأغنياء والفقراء أ.د كمال حطاب

19 January 2023

المنفعة الحدية عند الأغنياء والفقراء

أ.د كمال حطاب

تطلق المنفعة الحدية في الاقتصاد على منفعة الوحدة الأخيرة من أية سلعة يتم الحصول عليها بقصد الامتلاك أو الاستهلاك أو أي قصد آخر .. وهذه المنفعة تتناقص كميا كلما زاد الإنسان في استهلاكه .. إلى أن تصل إلى الصفر .. ومن أجل أن تبقى المنفعة الحدية عالية فينبغي أن يتوقف الاستهلاك عند حد معين يكون فيه الإشباع قويا ومفيدا وممتعا .. ولكي يتجدد هذا الإشباع فينبغي التنازل عن هذه الأموال بالإنفاق المستمر ، حتى يجد الإنسان للأموال المتبقية لديه منفعة أكبر ومتعة أكبر ..
كما أن كثرة الأموال تؤدي إلى تناقص منفعتها الحدية حتى تكاد تصل إلى الصفر ، وعندها لا يعرف الإنسان أين يصرف النقود وماذا يفعل بها ؟ فيبدأ بالتبذير والسرف وربما يدخل إلى مرحلة الترف ..
وهذا يقودنا إلى أن من مصلحة الأغنياء أن ينفقوا أموالهم ويستمتعوا بها أثناء شبابهم وصحتهم أفضل من أن يتركوها حتى يعمروا والسبب أنهم بعد أن يعمروا لن يجدوا متعة لتلك الأموال ولذلك الإنفاق .. كتلك المتعة التي كان يمكن الحصول عليها في سن مبكرة .
ووفقا لقوانين المنفعة فإن المنفعة الحدية لكل شيء تتناقص إذا زاد استهلاكه أو امتلاكه .. ومعنى ذلك ومن أجل أن تتزايد المنفعة الحدية للشيء فينبغي أن يتجدد الشوق له وذلك بالتخلي عنه أو مفارقته ، مفارقة تتضمن معنى الجزاء والتعويض .. الدنيوي والأخروي .. ومن هنا يمكن تفسير حديث ما نقص مال من صدقة .. لأن الصدقة تزيد في المنفعة الحدية للمال المتبقي كما تزيد من المنفعة للمال المؤمل عودته أو عودة ثماره ثوابا وبركة وزيادة إنتاج ..
ومن جهة أخرى فإن الإنفاق الموجه للفقراء الأشد حاجة سوف تكون منفعته الحدية أكبر بكثير من الإنفاق على فقراء أقل حاجة ، لأن الفقير الأشد حاجة يستطيع أن يشبع حاجات أساسية أكثر ، وبالتالي سوف يؤدي إلى توليد طلب أكبر ، بعكس الأقل حاجة والذي سيولد طلبا أقل ، أما توجيه الإنفاق إلى غير المحتاجين فإنه لن يؤدي إلى إشباع حاجات أساسية ، وربما يوجه الإنفاق إلى كماليات أو مضاربات أو الاكتناز في البنوك دون تشغيل .. وهذه الأنشطة لا تولد طلبا حقيقيا يمكن أن يحرك عجلة الاقتصاد ..
إن الحكمة في حث القرآن الكريم المتكرر على الإنفاق الدائم والمستمر وبالليل والنهار وعلى الفقراء والمساكين الأشد حاجة كالذين أحصروا أو لا يستطيعون ضربا في الأرض .. إن الحكمة الاقتصادية واضحة وهي ضرورة زيادة عجلة الاقتصاد من خلال إيجاد تيار نقدي دائم يلبي الحاجات ويخلق التشغيل وفرص العمل فيزيد الإنتاج والدخل ويزداد النمو الاقتصادي فيتحقق التقدم .. كما أن الحكمة الاجتماعية واضحة أيضا فالأغنياء اليوم ربما يكونون فقراء غدا ، والعكس ، وبالتالي لا بد من ايجاد تيار من التراحم والتكافل والتضامن بين أفراد المجتمع بحيث يقومون ببعضهم البعض لأن الجميع معرضون للكوارث والمصائب ، وبالتالي لا بد من استمرار تدفق الرحمة في القلوب ، واستمرار دوران المعروف بين الناس واستمرار الحمد والشكر لله ..
إن المنفعة الحدية للسعادة المكتسبة نتيجة العطاء والإنفاق ربما تتصادم مع قوانين المنفعة المشهورة ، فهي في تزايد دائم ولا يمكن أن تتوقف السعادة أو تصل إلى حدود تناقصية بسبب زيادة العطاء ، وكذلك المنفعة الحدية للشكر والحمد والمعروف ، فمهما بذل الإنسان من معروف فإنه لا يمكن أن يرتوي من ثمار المعروف التي يحس بها سعادة وراحة وطمأنينة وأمن واستقرار ..
وربما يمكن القول بأن هذه السعادة والطمأنينة هي مقدمات لما يتذوقه الإنسان في الجنة ، حيث المنفعة الحدية أيضا في تزايد دائم ، قال تعالى ” كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ” ( البقرة ، 25 ) وقال تعالى ” لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ” ( ق ، 35)

أموال لا تأكلها النيران .. أ.د كمال حطاب

14 January 2023

يردد بعض الناس عبارة سمعتها من أكثر من شخص ، وهي أن لديه أموالا تكفيه لولد الولد .. أو أن لديه أموالا لا تأكلها النيران ..إلخ فهل هذه عبارات مقبولة شرعا ؟ ..
مما لا شك فيه أن مثل هذه العبارات إذا قيلت في مجال حمد الله وشكره وبيان كثرة نعمه على العبد فلا شيء فيها ، ولكن الواضح أن أغلب من يطلق هذه العبارات يطلقها في مجال التفاخر والاعتداد بالنفس ، وعدم حاجته لأحد من البشر ، وليس في ذلك أيضا انحراف أو بعد عن الشريعة إذا كان يؤدي حق هذا المال ، من شكر لله واعتراف بنعمه وفضله .. مع ما في هذه العبارة من مبالغة وعدم واقعية .
المشكلة تظهر عندما يكون إطلاق هذه العبارات يتضمن التمرد والجحود لنعم الله والانتقاص من الآخرين ، وإرجاع الفضل في تحصيل هذا المال لجهده وذكائه وخبرته وامتلاكه طاقات لا يمتلكها معظم الناس .. عندها يكون حال هذا الشخص كحال قارون عندما نصحه قومه بشكر الله وعدم الفساد ، فرد عليهم بإرجاع الفضل كله لعلمه وذكائه ” قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ” ( القصص ، 78)
فكان عاقبته الخسف به وبداره وكنوزه التي لا يستطيع الرجال الأقوياء حمل مفاتيحها لضخامتها .. وجعله عبرة لمن يعتبر .
فهؤلاء الذين يرددون كلام قارون ، ويرجعون الفضل لعقولهم وجهودهم دون شكر الله واعتراف بفضله وكرمه .. يستحقون مصيرا كمصير قارون ..
إن حب المال وتكثيره هو غريزة إنسانية محترمة ، عندما يكون كسب المال وإنفاقه وتثميره وإدارته بطرق حلال وأدوات وأساليب مشروعة .. أما المفاخرة بالمال وكثرته والتباهي على خلق الله بكثرة المال فليس منهجا مقبولا إسلاميا وإنسانيا ..
ومن جهة أخرى فإن جمع المال وتكثيره ليس أمرا محمودا دائما ، ولا يعود بالخير على صاحبه ، ما لم يلتزم بضوابط شرعية ، فلا بد أن يخرج زكاته أولا ، ثم يؤدي ما على المال من حقوق ، والحقوق تشمل النفقة على الأهل والأقارب وكل من يلزمه نفقته ، حتى ولو كان في أقصى عشيرته ، إذا كان من الممكن أن يرث منه لو كان الوضع معكوسا لقوله تعالى ” وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ” ( البقرة ، 233 ) كما تشمل حقوق المال ، القرض الحسن ، والعارية ، إضافة إلى تشغيل المال ، فلا يصح أن يبقى المال محبوسا دون تشغيل لأنه يمكن أن يدخل في دائرة الاكتناز .
ومن تتبع مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه في تعامله مع المال النقدي فإننا نجد أنه لم يكن يحتفظ بالنقود أو لا يتركها تبيت عنده ، وكذلك كثير من الصحابة ، وهذا يشير إلى أن الأصل تشغيل المال وإنفاقه في السوق استهلاكا واستثمارا دنيويا وأخرويا ، وبمعنى آخر لا بد أن تكون الأموال النقدية متحركة ، وكلما ازدادت سرعة دوران النقود بمعنى انتقالها من يد إلى أخرى كلما ازداد المجتمع تشغيلا وإنتاجا وتقدما ، وكلما ازداد حبس النقود وكنزها في البنوك كلما ازداد المجتمع انكماشا وكسادا وتخلفا …
إن من يملك مالا لا تأكله النيران في ظنه ، سوف تأكله نفقات أصغر مرض قد يصيب الإنسان ، وإذا لم تأكله نفقات المرض ، وبقي المرض فإنه لا نفع فيه لصاحبه .. ولذلك فإن الأفضل من هذه العبارة هي عبارة الحمد لله والشكر لله ، لأنه هو واهب النعم وواهب المال ، وهو المالك الذي لا تنفد خزائنه ” وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ” ( المنافقون 7)

علماؤنا بين التشريف والتشهير .. أ.د كمال حطاب

11 January 2023

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام بخبر وفاة العالم الجليل أستاذنا الدكتور محمد نعيم ياسين رحمه الله وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. وكثرت المقالات والخطابات والمدائح والأشعار في ذكر سيرته الطيبة ومواقفة الثابتة وعطائه ومؤلفاته وما تركه من آثار علمية وفكرية ومبادئ تربوية وسيرة عطرة في نفوس كل من عرفه من زملائه وطلابه ومحبيه ..
لقد كان الشيخ رحمه الله فريدا بشخصيته الأبوية الحانية ،وبروحه الأخوية المتواضعة ، كما هو فريد بمواقفه العلمية القوية ، ومبادئه الثابتة .. وأذكر فيما يلي بعض هذه المواقف ، من باب الأسوة والاقتداء ، وكذلك للدرس والعبرة ..
شاركت مع الشيخ رحمه الله مناقشة رسالة دكتوراه في الجامعة الأردنية ، وكان رئيس اللجنة أو المشرف يرى أن يعطي لكل عضو من أعضاء اللجنة مدة نصف ساعة لكي يبين ملاحظاته ، فقال له الشيخ رحمه الله أنا قرأت هذه الرسالة ولدي ملاحظات ربما تستغرق ساعتين أو أكثر ، فإن شئتم أعطيتموني الفرصة للمناقشة وإلا دعوني أنسحب فلا حاجة لكم بي .. وما كان من رئيس اللجنة وأعضائها إلا أن قبلوا بشرط الشيخ وكانت ملاحظات دقيقة استفاد منها الطالب كما استفاد أعضاء اللجنة جميعا .. وهو موقف يؤكد حرص الشيخ الشديد على العلم والعلماء وعلى التدقيق والتصحيح إلى أفضل درجة ممكنة .
وفي مجال البنوك الإسلامية ، فقد أخبرني رحمه الله بأنه كان أحد أعضاء اللجنة الشرعية لأحد البنوك الإسلامية ، ولما وجدهم لا يستمعون لملاحظاته ومحاولاته لتصحيح الأخطاء والمخالفات انسحب من اللجنة وقدم استقالته من تلك اللجنة وأعاد أو تبرع بما صرفوه له من مكافآت ..
كما رافقت الشيخ رحمه الله في عدد من المؤتمرات، وفي كل مؤتمر كنت أراه ممسكا دفترا مليئا بالملاحظات، فلما سألته عن ذلك قال بأنه لا يترك بحثا دون قراءة وتدقيق، ولديه ملاحظات وتعقيبات وتصحيحات لمعظم البحوث المشاركة، وهذه همة عالية وحرص شديد قلما يوجد عند غيره.
إن ما ذكر بحق الشيخ رحمه الله قليل جدا عند كل من عرفه ، فهو يستحق التكريم والتشريف والإشادة عن جدارة في حياته قبل مماته ، كان يستحق أن يكون له مكتب دائم في الجامعة وكرسي دائم باسمه أو جائزة باسمه ، غير أنه العقوق المنتشر في هذا الزمان ، عقوق الوالدين ، وعقوق الأرحام ، وعقوق العلم والعلماء..
إن مكانة العلماء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا تتناسب مع المكانة والمنزلة التي أرادها الله عز وجل عندما قال ” إنما يخشى الله من عباده العلماء ” ولا تنسجم مع وصايا النبي صلى الله عليه وسلم حول مكانة العلم ومكانة العلماء ، خاصة في هذا الزمان الذي أصبح فيه علماء الإسلام محل تشهير ونقد وتجريح مهما كانوا معتدلين أو وسطيين ، وأصبحت التهم جاهزة معلبة أمام أي رأي يصدر من عالم ، اتهام بالرجعية والتطرف وربما الإرهاب ، واتهام بالأخونة والسلفية والجهادية والصوفية والكلامية … إلخ كل هذه الألقاب أصبحت تهما جاهزة تلصق بأي عالم أو دارس للشريعة ، إذا ما قال قولا ينكر فيه ممارسات القوم وما اعتادوا عليه من منكرات وما ألفوه من سلوكيات تخالف صحيح الدين بل تخالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها ..
إننا في الغالب لا نوقر كبارنا ولا نحترم علماءنا .. ولا نحفظ لهم مكانتهم وكرامتهم .. إلا بعد أن يفارقونا، نسأل الله لأستاذنا الحبيب الرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

هل صندوق النقد الدولي بريء في حالة الأردن ؟؟ أ.د كمال حطاب

01 January 2023

في الثمانينات من القرن الماضي ، وفي مرحلة الماجستير بالتحديد ، درسنا كتاب محمد زكي شافعي مقدمة في العلاقات الاقتصادية الدولية وكتاب المنظمات الدولية لحسين عمر وغيرها من الكتب في مادة الاقتصاد الدولي والمنظمات الدولية ، وقد كان من أكثر ما يلفت النظر ويثير الدارسين موضوع صندوق النقد الدولي ، وقد أثارني هذا الصندوق بشكل خاص عندما أعددت رسالتي للماجستير حول التكامل النقدي الإسلامي ، وتعرفت على دور الصندوق الحقيقي في زيادة إفقار الدول الفقيرة وزيادة غنى الدول الغنية ..
وقد كنت كتبت مقالا عام 2003 بعنوان ” مطالبنا من صندوق النقد ” نُشر على موقع إسلام أون لاين في ذلك الوقت ، وهو موجود على موقع موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي https://iefpedia.com/arab/?p=633 وضحت فيه طبيعة الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي على الدول النامية من أجل ضمان قروض الأغنياء والتي تشمل رفع الدعم عن السلع الأساسية وتخفيض الإنفاق الحكومي والخصخصة .. إلخ .
غير أن ما يلفت النظر في حالة الأردن ، ومن خلال قراءة ما ورد في المراجعة الخامسة على موقع الممثل المقيم لصندوق النقد الدولي في الأردن ، أن التوصية برفع الدعم عن أسعار المحروقات ترافقت مع التوصية بدفع بدل نقدي لمحدودي الدخل ولمن لا يستطيع تحمل الأسعار الجديدة ؟ فلماذا لم تقم الحكومة الأردنية بتطبيق توصيات الصندوق كاملة ؟ وهل يمكن اعتبار الصندوق بريئا في هذه الحالة ؟ أم أن هذه المراجعات والتوصيات ليست هي القرارات التي تعتمدها إدارة الصندوق في واشنطن ؟
يبدو أن الاحتمال الثاني هو الأرجح ، فالصندوق كما كان يقول رئيسه الأسبق دومينيك ستراوس ، هو أشبه برجل المطافئ لا يهمه من أشعل النار بقدر ما يهمه إطفاؤها ، ثم لا علاقة له بالأمر .. فالمهم عند الصندوق هو حماية أموال الدائنين من مؤسسات وبنوك ودول صناعية .. ولذلك يجب المحافظة على قدرة المدينين على السداد ..من خلال ما يسمى معالجة العجز المؤقت في موازين المدفوعات .. رغم أن معظم الدول المدينة تعاني من عجز هيكلي في موازين المدفوعات ، ومع ذلك فما دام لدى هذه الدول موارد يمكن الوصول إليها ، فتبقى دولا صالحة للاقراض غير الأخلاقي الذي تترتب عليه فوائد مضاعفة أضعافا كثيرة .

وبالعودة إلى موقع صندوق النقد الدولي وحالة الأردن ، فقد جاء في المراجعة الخامسة في 15 نوفمبر 2022 ” من المتوقع أن تقلص الحكومة المركزية عجزها الأساسي … في عام 2022 ، مع تعويض تكاليف دعم الوقود والغذاء الأكبر من المتوقع من خلال ترشيد الإنفاق غير ذي الأولوية و زيادة كبيرة في أداء الإيرادات. يعكس هذا الأخير جهود الحكومة المؤسسية والتشريعية المستمرة لمعالجة التهرب الضريبي وتجنبها… إن الإلغاء التدريجي للدعم غير المستهدف لأسعار الوقود ، مع حماية المستضعفين من ارتفاع الأسعار من خلال التحويلات النقدية الإضافية ، أمر مرحب به ، لأنه يوفر الموارد الثمينة للإنفاق ذي الأولوية.”
فأين التعويض الأكبر من المتوقع لتكاليف دعم الوقود والغذاء .. وأين ترشيد الإنفاق غير ذي الأولوية وهل وجدت إصلاحات لمعالجة التهرب الضريبي ؟ إين حماية المستضعفين من ارتفاع الأسعار وأين التحويلات النقدية الإضافية ؟ أين الإلغاء التدريجي للدعم غير المستهدف لأسعار الوقود؟ حيث تشير الدراسات إلى أن 9 من كل 10 دولار من الدعم تذهب للأغنياء .. فلماذا لم تطبق هذه التوصيات ؟
يبدو أن جميع التوصيات لم تطبق أو طبقت بشكل طفيف جدا ، والأمر الوحيد الذي لا شك في حدوثه هو ارتفاع أسعار المحروقات بشكل كبير يفوق قدرة المواطن العادي على تحمل تكاليف الحياة .. مما زاد من معاناة سائقي شاحنات النقل والتاكسي وغيرهم ، وألجأهم إلى الإضراب وبالتالي حدوث القلاقل والاضطرابات الاجتماعية والسياسية ..
إن صندوق النقد الدولي في مراجعاته بريء نظريا من إحداث القلاقل السياسية والاجتماعية ، ولكنه ومن خلال ضغوطه على سداد الديون وفوائد الديون المتراكمة والمتضاعفة ضالع في إحداث المشكلات والتوترات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية في معظم الدول التي تطبق برامج الإصلاح الاقتصادي .
خضعت 77 دولة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي للصندوق منها 33 دولة إسلامية ، خرجت معظمها بعد تطبيق البرنامج أكثر فقرا ومديونية واختلالا وتشوها اقتصاديا واجتماعيا .. ولم تنجح في مواجهة الصندوق سوى دول قليلة جدا كان من أبرزها ماليزيا في التسعينات من القرن الماضي ، عندما اتخذ مهاتير محمد إجراءات معاكسة لشروط الصندوق ، وركز على محاربة الفساد ووضع إجراءات صارمة لمنع إخراج العملات الصعبة ، بما أدى في النهاية إلى أن يعترف صندوق النقد الدولي بأن إجراءات ماليزيا كانت أصح من شروط ووصايا الصندوق.
إن قيام الحكومة الأردنية بتخفيض أسعار المحروقات 75 فلسا هي خطوة في الاتجاه الصحيح ، ولكنها ليست كافية ، ولا بد من تطبيق ما ورد في التوصيات أو النصائج التي وردت في المراجعة الخامسة ، وأهمها الإلغاء التدريجي للدعم غير المستهدف لأسعار الوقود ، مع حماية المستضعفين من ارتفاع الأسعار من خلال التحويلات النقدية الإضافية .

أوروبا بين البرد والظلام أ.د كمال حطاب

24 December 2022

قبل عدة سنوات كنت عائدا من لندن إلى الكويت على متن الخطوط البريطانية بعد حضور أحد المؤتمرات، وكانت الرحلة بعد منتصف الليل ، ولما كنت لا أستطيع النوم في الطائرة وكان مقعدى على نافذة الطائرة ، فقد أمضيت تلك الليلة أراقب خارطة الرحلة على الشاشة ، وما يماثلها من دول وأماكن على الأرض .. وكان المنظر بديعا عجيبا ، كانت معظم دول أوروبا التي مررنا فوقها مضاءة بأنوار ساطعة متلألئة ، وكانت الخيالات والتصورات تزدحم في رأسي ، كانت الطائرة تسير بسرعة فوق الألف كيلومتر في الساعة ، ومع ذلك لا نشعر بأي اهتزاز ، ومعظم ركاب الطائرة يغطون في نوم عميق ، وأنا أفكر في سر هذه الإضاءة الساطعة فوق دول أوروبا ، وهل هي رفاهية زائدة ، أو زيادة الاستهلاك والترف ، أم أن هذه الإضاءة هي سر التقدم والتنمية .. ، تذكرت أن من خصائص الدولة المتقدمة زيادة نسبة استهلاك الكهرباء .. فلما صارت الطائرة فوق تركيا ، لاحظت أن الجزء الأكبر من مساحة تركيا مضاءة ولكنها ليست كإضاءة أوروبا ، فلما مرت الطائرة فوق العراق لاحظت الظلام الدامس ، إلا من نار مشتعلة تظهر من بعيد بين الفينة والأخرى ، يبدو أنها نيران بعض مصافي النفط ، وتساءلت كيف لرابع أو خامس دولة في العالم من حيث احتياطي النفط أن تعيش في ظلام ؟ فقلت ربما هو الاحتلال الأمريكي أو ثمرات الديمقراطية الجديدة في العراق!! وصلنا إلى الكويت مع بزوغ الفجر ، وكانت الإضاءة الساطعة في سماء الكويت تكاد تختفي مع تباشير الفجر .
تذكرت هذه الرحلة اليوم ، وعرفت أن سر تلك الإضاءة الساطعة كان الغاز الروسي ، فبعد انقطاع الغاز الروسي أصبحت أوروبا مهددة بشتاء قارس وظلام دامس .. بعد توقف معظم المولدات الكهربائية والمحطات النووية عن العمل .. واتجاه معظم قادة أوروبا إلى دول النفط وإلى إفريقيا من أجل تأمين الغاز اللازم للإنارة والتدفئة وتشغيل المولدات والآلات الصناعية وأجهزة الكمبيوتر والرادارات والمطارات .. بمعنى آخر إعادة الحياة إلى أوروبا ..
ويبدو أن الطاقة الخضراء والطواحين والألواح الشمسية لا تزال محدودة جدا في أثرها وانتشارها رغم اتفاقية باريس وغيرها من الاتفاقيات التي تدعو إلى الحد من الغازات المنبعثة المدمرة للبيئة ..
يبدو أن خبراء التنمية لم يكونوا مخطئين عندما جعلوا نسبة استهلاك الكهرباء من أهم مؤشرات التنمية إضافة إلى درجة التعقيد الصناعي ومعدل دخل الفرد ، ومعدل الإنفاق على الرعاية الصحية والعلمية ، ومتوسط العمر المتوقع عند الولادة ..إلخ ..
ويبدو أنه يوجد خيط رفيع جدا بين التنمية والتخلف .. فالكهرباء وحدها كفيلة بعودة البشرية إلى العصور المظلمة في حالة انعدامها.. وعندها فسوف تفقد البشرية أكثر من 90% من إنتاجها الحضاري المادي ..
غير أن من أهم خصائص الدول المتخلفة التي كنا ندرُسها ونُدرّسها في موضوع التنمية ، اعتماد الدولة على سلعة واحدة ، كالنفط ، حتى ولو كانت من أهم الدول المصدرة للنفط ، فإن اعتماد أي دولة على سلعة واحدة فقط يدرجها ضمن الدول المتخلفة ، فلماذا صنفت دول أوروبا ضمن الدول المتقدمة ، واقتصادها قائم في معظمه على مادة خام واحدة .. هي الغاز ، إضافة إلى أن هذه السلعة مستوردة وليست منتجة محليا ؟
يبدو أن تقدم دول أوروبا كان نتيجة اتفاقات الإذعان التي وقعتها مع الدول المستعمَرة التي كانت خاضعة لها ، والتي تسمح لدول أوروبا بمصادرة الاحتياطيات واستغلال ونهب الثروات من الدول المستعمَرة ، ومن جهة أخرى فإن اتفاق دول أوروبا على إقامة السوق الأوروبية المشتركة ، والاتحاد الأوروبي وإصدار عملة واحدة هي اليورو ، كان هو العامل الأبرز في تقدمها ، وهي نفس الخطوات التي بنت أمريكا قوتها عليها ، فقد كانت الحرب تعصف بالولايات الأمريكية شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، ولم يصبح لها اسم أو كيان إلا بعد الوحدة وظهور الولايات المتحدة الأمريكية ..
ولعل مما لا يختلف عليه اثنان ، أن من أهم أسباب تخلف الأمة العربية والإسلامية هو الانقسام والتفكك وغياب أي مظهر من مظاهر الوحدة والتكامل الحقيقي بين هذه الدول .. فمتى تعي هذه الدول أن سر قوتها يكمن في وحدتها ، وأن تخلصها من التبعية الاقتصادية والسياسية للدول الغربية يتحقق من خلال وحدتها وتكاملها مع بعضها .. وأن الدين هو العامل الأول الذي يمكن أن يزيل كافة الحواجز التي تمنع من الوحدة وتحول دون التكامل والتضامن والاتحاد ..
إن الأمة العربية والإسلامية لا ينقصها غاز أو بترول ، حيث تعتبر الأولى على العالم في احتياطيات النفط والغاز ، ولكن الذي ينقصها الإرادة والعزيمة من أجل الاتحاد وتحقيق التكامل والتمسك بثوابتها ودينها قال تعالى ” إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ” ( الأنبياء ، 92) ..

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]