عودة إلى الصفحة الرئيسية

الاقتصاد الإسلامي .. مساق اختياري أم إجباري ؟ أ.د كمال حطاب

14 January 2022

قبل أكثر من عشرين عاما ، وحين كنت أحد أعضاء هيئة التدريس في قسم الفقه، كانت مادة الاقتصاد الإسلامي مساقا إجباريا في برنامج الفقه لمرحلة البكالوريوس ، وفي أحد الاجتماعات الدورية للقسم لمناقشة خطة البكالوريوس ، رأى أغلبية أعضاء المجلس تحويل مساق الاقتصاد الإسلامي من المواد الإجبارية إلى المواد الاختيارية ، رغم اعتراضي مع قلة من أعضاء هيئة التدريس ، وتم التصويت على رأي الأغلبية بالموافقة.
وقد آلمني ذلك القرار بشدة ، ربما لأنني الوحيد الذي أحمل شهادة دكتوراه في الاقتصاد الإسلامي في ذلك الوقت ، وقد كانت لدي طموحات كبيرة بأن ينتشر هذا التخصص بحيث يكون له برنامج مستقل بدلا من مادة واحدة .. وقد دفعني ذلك الموقف إلى كتابة خطاب إلى رئيس الجامعة في ذلك الوقت .. قلت فيه بأن الجامعات الكبرى في العالم مثل هارفارد وأكسفورد ودرم وغيرها تضم في جنباتها برامج للاقتصاد الإسلامي أو التمويل الإسلامي ، ونحن في جامعتنا نضيق بمادة واحدة للاقتصاد الإسلامي ونريد أن تكون مادة اختيارية بدلا من إجبارية . وتكلمت عن أهمية الاقتصاد الإسلامي ودوره في النهوض والتنمية ، وقدرته على مواكبة التطورات الاقتصادية والمالية العالمية .. إلخ .. وبعد هذا الخطاب بسنة أو سنتين .. صدر قرار من مجلس العمداء بالموافقة على إنشاء برامج بكالوريوس وماجستير ودكتوراه في الاقتصاد والمصارف الإسلامية .. كما صدر قرار مماثل في عدد من الجامعات الحكومية والخاصة ، بعد ذلك التاريخ بعدة سنوات .
وبعد أكثر من عشرين عاما على بدء تدريس برامج الاقتصاد والمصارف الإسلامية في عدد كبير من الجامعات، أعيد نفس السؤال الذي طرحته في البداية ؟ ولكن ليس على مستوى برنامج القسم الواحد ، وإنما على مستوى الجامعة ؟ هل يكفي أن تكون مادة الاقتصاد الإسلامي مساقا اختياريا لطلبة الجامعة أم لا بد أن تكون مساقا إجباريا ؟ كما هي مواد اللغة العربية والإنجليزية والحاسوب والمواد الوطنية .. إلخ ؟
في رأيي المتواضع ينبغي أن تكون مادة ” الاقتصاد الإسلامي ” ضمن متطلبات الجامعة الإجبارية ، وذلك لأنها تحقق ما لم تحققه أية مادة أخرى على مستوى الجامعة ، فهي تعمل على تكوين وتشكيل أنماط سلوكية آمنة مرتبطة بالقيم الإسلامية الأصيلة من خلال بناء عادات استهلاك واستثمار آمنة ، وتكوين أنماط سلوك آمن في مجالات الإنتاج والتنمية والتجارة وكافة أشكال النشاط الاقتصادي .كما تعمل مادة الاقتصاد الإسلامي على تعريف الطلبة بمعنى الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية ، بحيث يتخرج كل في مجاله متقنا لهذا المصطلح ، ومطبقا له في حياته العملية ، فتزداد إنتاجية الخريجين ومساهمتهم في خدمة المجتمع .
كما تزرع مادة الاقتصاد الإسلامي في نفوس الطلبة وعقولهم معنى التكافل الاجتماعي والتراحم والإحساس بالآخرين وتجتث من قلوبهم التباغض والتحاسد والطبقية ، من خلال التعريف بأسرار الزكاة والوقف والصدقات والمواريث والنفقات الواجبة .. إلخ .
إن مادة الاقتصاد الإسلامي تعرف الطلبة بأساليب التمويل الإسلامي المبنية على العدالة والمشاركة وتحمل الخطر واقتسامه بين الشركاء وتوزيع المغانم والمغارم ، كما تعرف الطلبة على أحدث الأساليب والأدوات المالية الإسلامية التي تواكب التطورات المالية المعاصرة وربما تتفوق عليها دون أن تتنازل عن المبادئ والضوابط الشرعية أو المعايير المهنية والمحاسبية العالمية .
إن الحاجة إلى فرض مساق ” الاقتصاد الإسلامي ” كمادة إجبارية ضمن متطلبات الجامعة ، تتضح بشكل كبير عندما نعلم أن معظم أشكال الانحراف والجريمة والتطرف ترجع إلى أسباب اقتصادية ، وأن الاقتصاد الإسلامي لديه الحلول الوقائية والعلاجية لكافة الأزمات والمشكلات الاقتصادية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للمزيد من التفصيل ينظر : كمال حطاب ، الاقتصاد الإسلامي وأبعاده الأمنية ، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب ، العدد 32 ، المجلد 16، 1422 هـ وبحث : الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية من منظور إسلامي ، مجلة أبحاث اليرموك / جامعة اليرموك . المجلد الثالث عشر، عدد 14 ، 1997 .

لماذا يحسدوننا ؟ أ.د كمال حطاب

29 December 2021

لماذا يحسدوننا ؟
أ.د كمال حطاب
دعيت للإفطار على ” الشكشوكة ” في مطعم في إحدى ضواحي مدينة بوسطن، فأيقنت في نفسي بأننا متوجهون إلى مطعم عربي ، وقد فوجئت عند النظر في قائمة الطعام بوجود ما يسمى ” Israil breakfast ” مكونة من البيض واللبنة والزعتر والجبنة والطحينة .. إلخ وأكلة أخرى أطلق عليها ” تل أبيب” وأخرى تسمى ” يافا سالاد ” فسألت هل هذا مطعم إسرائيلي ، فقالوا ربما يكون صاحبه من أصول يهودية . فقلت إن هؤلاء لا يكتفون باحتلال فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني ، بل يقومون بتسويق أنفسهم وتلميع احتلالهم الظالم أمام العالم .
لم أستغرب كثيرا هذه الحال ، ودولة الاحتلال العنصرية تحاول طمس هوية فلسطين الإسلامية وكل ما يتعلق بها من مدن وأحياء وشوارع وعادات وطعام وشراب وأزياء فلسطينية ، وكل شيء يشير إلى فلسطين ..
فلماذا ينافس اليهود المحتلون المسلمين على طعامهم وعلى لباسهم وأكلاتهم وأسماء مدنهم وتاريخهم ، ولماذا ينافسونهم على مقدساتهم ؟ أليس لهم مقدسات خاصة بهم ؟ ألا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار ؟ لماذا لا يكتفون بمقدساتهم ؟ ما هو سر هذا الحسد والعداوة للمسلمين ؟ ألا يعتبرون أنفسهم متفوقين وأذكياء ، وحملة جوائز نوبل؟؟ ، فلماذا يحسدون المسلمين ويزاحمونهم على كل شيء ؟
يبدو أن هذا الحسد والحقد على المسلمين يعود إلى أكثر من ألف وأربعمئة سنة ، فقد علم اليهود قبل الإسلام ومما ورد في كتبهم أن نبيا سيبعث في مدينة يثرب ، فحضروا إليها وأقاموا حصونهم فيها بانتظار ظهور النبي ، ظنا منهم أنه سيكون منهم ..فلما ظهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم من العرب وليس منهم .. خابت آمالهم وناصبوه العداء وتآمروا على قتله وتحالفوا مع المنافقين والمشركين ضده صلى الله عليه وسلم ” .. فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿البقرة ، 89﴾
ومنذ ذلك الوقت بدأ الحسد يكبر في نفوسهم ” وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .. ” ( البقرة ، 109)
إنهم يحسدون المسلمين منذ البعثة .. على كل مسجد أو أرض مقدسة ، وبالتالي يعتبرون أنفسهم أحق بها ، يحسدون المسلمين على أنبيائهم ، فينافسون في إبراهيم عليه السلام ، ففند الله زعمهم ” مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ” ( آل عمران ، 67)
إنهم يستكثرون على المسلمين حقهم في عبادة الله ، وفي أن يكون لهم مساجد .. فها هو الحرم الإبراهيمي في الخليل قد صادروه ، وها هو مسجد بلال في بيت لحم ، وقبل ذلك عشرات المساجد في فلسطين قد صادروها واستغلوها أبشع استغلال ..
وها هم اليوم ينافسون بشراسة على المسجد الأقصى ، وقد بنوا أكثر من مئة كنيس حول المسجد الأقصى ، كان آخرها كنيس الخراب الذي هو إشارة لخرابهم وخراب بيوتهم .. ، إنهم يحاولون بكافة الطرق غير القانونية بناء معبدهم المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى ؟
وها هم يزاحمون المسلمين في بيوتهم ؟ وأراضيهم ومزارعهم ومقابرهم ؟ يزاحمونهم في أسواقهم ونواديهم ؟.يزاحمونهم وينافسونهم في طعامهم وشرابهم ، وينسبون لأنفسهم معظم العادات والتقاليد الفلسطينية في الطعام والشراب واللباس والأعراس .. إنهم يسرقون حتى التاريخ بعد أن سرقوا الجغرافيا والتضاريس .. إنهم يعتدون على الأموات في قبورهم بعد اعتدائهم على الأحياء .
لقد مارسوا كافة أشكال الإجرام والاضطهاد ضد الشعب الفلسطيني ، جدار الفصل العنصري ، الحواجز الأمنية ، القمع والتعذيب والهدم والترحيل والإذلال وإعاقة سبل الحياة أمام الفلسطينيين ، وقتل المدنيين بدم بارد وأمام كاميرات العالم .
إلا أن كل هذه الممارسات الوحشية لم تؤثر على صمود الفلسطينيين ، وتمسكهم بمقدساتهم ، ومسرى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم تضعف تمسكهم بأرضهم وزيتونهم وهواء بلدهم ، ، لم تضعف تمسكهم بطعامهم وشرابهم ولباسهم ، وتمسكهم بأكلاتهم الشعبية ، وسيقى الشعب الفلسطيني رغم أنوف الصهاينة ما بقيت أشجار الزيتون ، وسيبقى الزيت الفلسطيني مضيئا ، يفضح ظلم اليهود المحتلين وغطرستهم وحسدهم وجشعهم ، سيبقى الزيت الفلسطيني نورا ساطعا يظهر الحق الفلسطيني للأجيال القادمة وللشعوب الحرة .

ماكدونالد وستاربكس .. وحليب الأمهات أ.د كمال حطاب

23 December 2021

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودخول المطاعم الأمريكية إلى روسيا ، وقف الناس على أقدامهم طوابير طويلة، تمتد مئات الأمتار بانتظار وجبات البرغر والبيبسي من ماكدونالد .., وبعد انتهاء الإغلاق من كورونا وقف الناس في سياراتهم في بعض الدول العربية في طوابير تمتد كيلومترات طويلة بانتظار قهوة ستاربكس ..
يقول توماس فريدمان في كتابه السيارة لكزاس وشجرة الزيتون .. لو كانت مطاعم ماكدونالد موجودة في العراق وأفغانستان قبل الاحتلال لما وجد الجيش الأمريكي أية مقاومة .. لأنه من المستحيل أن تحصل حرب بين بلدين يوجد فيهما مطاعم ماكدونالد .
هل توجد علاقة بين الطعام والشراب والتربية والمقاومة ؟ هل هي نوعية الطعام والشراب أم هي طريقة تناول الطعام والشراب ؟ أم هي طريقة الحصول على الطعام والشراب؟
مما لا شك فيه أن كل هذه العوامل والتي يطلق عليها أنماط الاستهلاك قد تكون أنماطا وطنية أو تكون غربية مستوردة ، مما سيكون له أثر كبير في التربية وبناء الأجيال وتحديد هوية المجتمع ، بل إن لهذه العوامل أثر كبير في تحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار والاستقلال الوطني .
فعندما تعتاد الأجيال منذ الصغر على الوجبات السريعة المستوردة ومشروبات الكاكاو والشوكولا الغربية مع الكاراميل أو السينابون أو غيرها من النكهات والإضافات التي تجعل الطفل معلقا بهذه المشروبات والأطعمة المرافقة ، ويظل يتوق لها ويشتاق إليها كلما ابتعد عنها .. فإن علاقة قوية سوف تنشأ بين هذه الأجيال ومنتجي هذه الوجبات السريعة ومرفقاتها من مشروبات ساخنة وباردة .
إن مثل هذه الأجيال لن تتوق إلى الطعام والشراب الذي تعده الأمهات في البيوت ، لن يتوق أحد من هذه الأجيال إلى ” سندويشة ” الزيت بالزعتر أو اللبنة أو المربى البيتي .. وهنا سوف يكون الانتماء إلى صانعي الأطعمة المستوردة أكبر من الانتماء إلى إنتاج الأمهات أو حتى الإنتاج المحلي أو الوطني .
إن قضية الانتماء الوطني ، ليست مجرد أناشيد يحفظها الطلبة في المدارس ، ولا هي ثقافة وطنية تدرس في الجامعات أو تاريخ أو تراث أو فلكلور .. وإنما هي قبل كل شيء عادات وسلوكيات قويمة تربط الناس بخيرات بلادهم ، كما تربطهم بحليب أمهاتهم ..
إن قضية الانتماء المجتمعي تنبني على صلة الرحم والتكافل الاجتماعي ، كما تنبني على بناء علاقات قوية بالأرض وما عليها من زروع وثمار وبساتين ، علاقات قوية بمنتجات الأرض من قمح وزيتون ورمان وتين وعنب وغيرها من محاصيل زراعية ومائية وحيوانية ..إلخ .
إن المنتج الوطني له قداسته في كل بلد مستقل يحترم نفسه وأبناء شعبه ، فتقدم له الحكومات كل دعم ، من أجل استمراره حفاظا على استمرارية تحقيق الأمن الغذائي والهوية الوطنية ، حيث تقدم دول أوروبا مئات مليارات اليورو دعما للمزارعين ، وكذلك تفعل أمريكا دعما للمنتج الوطني وحفاظا على استمراريته .
إن إنتاج منتجات ذات مذاقات ونكهات متقدمة من الأعشاب المحلية والوجبات الوطنية والشعبية ، وعمل معايير ومواصفات وخصائص ثابتة لها ، وتسويقها محليا وعالميا ، يمثل تحديا كبيرا للحكومات ، ولرجال الأعمال من القطاع الخاص ، يعبرون من خلاله عن انتمائهم لأوطانهم وعن حرصهم على مستقبل الأجيال القادمة ، حتى لا تقع فريسة للنمط الاستهلاكي الأجنبي ، الذي يفقد الإنسان استقلاليته وهويته الثقافية والأخلاقية .
إن الاستقلال الوطني لن يكون كاملا ما لم تتحرر الأجيال من إدمان الوجبات السريعة ونكهات ومذاقات المشروبات الغازية الأجنبية، وقبل ذلك نكهات التبغ ومشتقاته وتوابعه .
إن الانتماء الوطني ليس مجرد كلام عاطفي يتردد على ألسنة بعض الإعلاميين ، بل هو قبل كل شيء تضحية وعطاء وإيثار ودعم للمنتج الوطني ودعم لصغار المنتجين ، ودعم وتسهيلات تقدم لأصحاب المنتجات الشعبية والتراثية التي تمثل تاريخ المجتمع وهويته الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية .. إلخ

ثقافة القراءة في أمريكا أ.د كمال توفيق حطاب

15 December 2021

ثق
كنا في زيارة عائلية إلى إحدى المكتبات العامة في ضواحي مدينة بوسطن ، فوجئت بحفاوة الاستقبال من قبل موظفي المكتبة وبلهفة الأطفال على الكتب وعلى مرافق المكتبة وتعلقهم الشديد بالقصص ، وتساءلت هل هي ظاهرة عامة أم هي حالة خاصة لدى أطفالنا فقط ، فوجدت أنها حالة عامة ، حيث توجد حصص للمكتبة في المدارس الابتدائية ، يزور فيها الطلبة مكتبة المدرسة ، ويتعرفون على الكتب ، ويتم إرشاد كل طالب في كل حصة ، إلى استعارة كتاب يلبي ميوله ويجد لديه رغبة في استعارته ، ومن هنا تبدأ العلاقة بالكتاب .
وفي زيارة أخرى إلى مكتبة بارنز ونوبل الشهيرة ، والتي تنتشر فروعها في معظم مناطق أمريكا ، وجدت إقبالا وازدحاما على شراء الكتب ، وعلى تصفح الكتب ، وقوفا أو جلوسا في أحدى زوايا المكتبة ، حيث يوجد كافيه ، يجلس فيه كثيرون يتصفحون الكتب والمجلات دون اعتراض من أحد، ولم أعثر على كتاب أو مجلة مغلفة بحيث يمنع الاطلاع عليها ، ولا موظفين يحذرون القارئ من القراءة ، كما هو الحال في كثير من بلادنا العربية ، جلسنا عدة ساعات تعرفنا على كتب كثيرة لم نسمع بها من قبل ، وبالرغم من وجود كورونا وإغلاق أكثر من 400 فرعا لهذه المكتبة إلا أنها لا تزال تعمل كما كانت من قبل .
من الملاحظات على مرتادي المكتبة أن معظمهم من كبار السن ، وقلة هي من فئة الشباب ، ولا أدري هل هي مصادفة أم أن المجتمع أصبح هرما أو كثيف الشيخوخة .. ومما يلاحظ أيضا أن مباني المكتبات سواء العامة أو الخاصة مبان فخمة أنيقة ، واسعة جدا ، يشعر الزائر فيها براحة كبيرة ، ولا يعاني من أي نظرة فضولية أو عوائق نظامية أو نفسية .
من الملاحظات هنا أن الناس أصبحوا مدمني قراءة ، وبالرغم من وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الهواتف المحمولة ، فإن عادة القراءة لا تزال متأصلة في هذا المجتمع ، ولعلها من أسباب استمرار قوة المجتمع علميا وتكنولوجيا .. وقد لاحظت أثناء زيارتنا لبعض حدائق الأطفال ، وجود أكواخ صغيرة ، أشبه بصناديق البريد ، تحتوي على كتب لمرتادي الحديقة للمطالعة ، كما توجد مثل هذه الصناديق على أبواب بعض البيوت لمن يريد أن يقرأ أو يستعير أو يتبرع بكتاب .
لا أدري إذا كانت أوضاع أمة ” أقرأ ” قد تحسنت أم أنها لا تزال كما عهدناها منذ زمن طويل .. أذكر أنني حاولت استعارة كتاب عندما كنت في المدرسة الإعدادية ، فقال لي أمين المكتبة إن هذا الكتاب كبير عليك ولن تستطيع أن تفهمه ، ومع ذلك سمح لي باستعارته ، وكان من أوائل الكتب التي قرأتها وفهمتها ولخصتها وكان بعنوان ” المسلمون والعلم الحديث ” ، وقد بدأت عادة قراءة الكتب وتلخيصها منذ ذلك الوقت ، ومعظم الكتب التي لخصتها لا أزال أذكر كثيرا مما ورد فيها .
وفي الثانوية ، اعتدت بعد مغادرة المدرسة أن أمر في طريقي علي مكتبة بلدية الزرقاء وكانت في سوق احياد التجاري ، فأتصفح بعض الكتب والمجلات والصحف ، وكانت المكتبة عبارة عن شقة في الدور الأول ، ولا أدري ما حالها الآن وكيف أصبحت .
أظن حالي كانت حال كثير من الطلبة ، حيث كنا نستعير الكتب ونقرؤها ، ونتناقش في محتواها ، ونوصي بعضنا بعضا حول بعض الكتب .. ولا أدري هل لدى الطلبة في هذه الأيام مثل هذه الاهتمامات ، أم أن الهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي قد احتلت الجزء الأكبر من الحياة اليومية المعاصرة ..
مما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي قد احتلت الجزء الأكبر من حياتنا جميعا كبارا وصغارا ، غير أن تنمية عادة القراءة من الصغر ، تجعل وسائل التواصل الاجتماعي أقل تأثيرا ، كما أن وجود مرافق مكتبية واسعة مريحة وموارد بشرية أكثر تأهيلا ، سوف يزيد من إقبال الناس على المكتبات ، والتعلق بالكتاب ، وتنمية عادة القراءة ..
ومما لا شك فيه أيضا أن المسؤولية في إيجاد البنية التحتية لثقافة القراءة تقع على الحكومات بوزاراتها المختصة ، غير أن مساهمة القطاع الخاص ، وقطاع دور النشر والمكتبات التجارية الكبرى ، سوف يزيد من تحقيق هذا الهدف ، ويعمل على تسريع نمو ثقافة القراءة ، بما يقلل كثيرا من أثر وسائل التواصل الاجتماعي .
إن الأمة التي نزل فيها القرآن ، وبدأ نزوله بكلمة ” إقرأ ” ، وتحدث عن القراءة وحث عليها في أكثر من ستة عشر موضعا ، لهي جديرة بأن تعلم العالم ثقافة القراءة ، وأن تقود العالم في طريق العلم والحضارة ، وقد فعلت ذلك سابقا ، ويمكن أن تفعل ذلك لاحقا .

كبار السن في أمريكا أ.د كمال حطاب

11 December 2021

كبار السن في أمريكا
أ.د كمال حطاب
من المظاهر التي يلاحظها الزائر لأمريكا ، شيوع ظاهرة عمل كبار السن ، وخاصة من السيدات ، فما من محل تجاري أو مولات أو كافيهات ، إلا وتجد العاملات أو الكاشيرات من فئة كبار السن من السيدات ، ممن أعمارهن تتجاوز الستين أو السبعين سنة .. وعند التدقيق في أدائهن لأعمالهن تجد أنهن يتمتعن بطاقة ونشاط ربما يفتقدها الكثير من الشباب .. بل إن الكثير من المطاعم تعتمد على هذه الفئة بشكل كبير .. أين الشباب ؟ ولماذا لا يقومون بهذه الأعمال ؟ هل التعويضات التي حصل عليها الناس أثناء الكوفيد19 ، جعلت الكثير من الشباب لا يعملون ، أو أن الشباب لا يرغبون بمثل هذه الأعمال ، ويؤثرون الأرباح السريعة من خلال التجارة الإلكترونية أو أن أجور هذه الأعمال ربما لا تكفي لبناء مستقبل لهم .. ولماذا لا تستريح هؤلاء السيدات في بيوتهن ؟ ألا يوجد لهن معيل ؟ أو راتب تقاعدي ؟
لا أدري ، ربما هو حرص من هذه الفئة على الاعتماد على نفسها في بيئة انخفض فيها مستوى التراحم وبر الوالدين ، وبات كبار السن أمام تحدي ” أكون أو لا أكون ” ، وربما هو استغلال من أصحاب العمل ، لأن هذه الفئة قد لا تحتاج إلى تأمين أو ضمان أو غير ذلك مما يتطلبه تشغيل الفئات العمرية الأقل ..وربما وربما ..
غير أن الملفت للنظر هو تمتع هذه الفئة في الغالب بحيوية ونشاط وقوة وروح رياضية عالية ربما لا تتوفر لكثير من شباب وشابات اليوم ..
زرت قبل أيام ، في الصباح الباكر ، أحد “الجيمّات” الرياضية ، فوجئت بوجود أكثر من أربعين سيدة ، معظمهن فوق السبعين ، يؤدين تمارين رياضية مشتركة مع إحدى المدربات ، فعرفت سر النشاط والقوة والطاقة البدنية ..
إن صلة الرحم وبر الوالدين في معظم المجتمعات الإسلامية أمر جميل ومطلوب وضروري وهو من أعلى القربات إلى الله ، ومن أهم مؤشرات الصحة النفسية والاجتماعية في المجتمع .. ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال الإسهام في تدهور صحة كبار السن ، بمنعهم أو منعهن من المشي أو مزاولة أي شكل من أشكال التدريب أو الرياضة ..
كم يظلم كبار السن أنفسهم أو يظلمهم المجتمع عندما يحبسون أو يعزلون في غرف ، وتقدم لهم الخدمات الأساسية ، ولا يطلب منهم أو يسمح لهم بالحركة بحجة توفير الراحة التامة لهم .. إن الراحة لن تأتي إلا بعد تعب وصحة ونشاط .. أما عدم الحركة فهو مرض وليس براحة .. صحيح أنه لا ينبغي أن يقوموا بأعمال شاقة ، ولكن ذلك لا يعني عدم الحركة وعدم الانخراط بأي نشاط اجتماعي أو صحي ..
كم يُظلم كبار السن ، بسبب بعض التقاليد المغلوطة ” لما شاب أرسلوه على الكُتّاب ” ، هذا المثل يقف في وجه كل من يحاول أن يرتقي بنفسه علميا ونفسيا وثقافيا واجتماعيا ورياضيا وحتى اقتصاديا .
إن كبار السن هم بيت الخبرات والاستشارات والنصائح والدروس والعبر .. وبالتالي لا بد أن يحفظ لهم المجتمع مكانتهم ، ويعطيهم حقوقهم المادية والمعنوية ، ويشعرهم بأهميتهم بشكل مستمر من خلال الأنشطة الاجتماعية والثقافية والترويحية ..
إن الواقع يشير إلى أن رئيس أكبر دولة في العالم يقترب من الثمانين وكذلك الرئيس الذي قبله ، وكذلك رؤساء روسيا وغيرها من الدول الكبرى .. وحتى كبار أصحاب الثروات في العالم ، معظمهم من المعمرين .
قرأت في إحدى المجلات مقالا حول ” المعمرين ” ، وكان عنوانه ” the Centenarians ” ، يتحدث عن نسبة المعمرين في الولايات المتحدة وما يخصص لهم من موازنة ضخمة من أجل صحتهم والأنشطة الاجتماعية والترويحية التي يحصلون عليها . مما يضفي عليهم صحة وحيوية تمكنهم من العيش أعمارا مديدة.
ونفس الوضع في معظم الدول المتقدمة حيث تشكل تكاليف الرعاية لكبار السن من 15 – 25 في المئة من ميزانيات هذه الدول . وهي تكلفة اقتصادية كبيرة على هذه الدول ، ومع ذلك فهي مستمرة وفي ازدياد ، لأنها من أبسط حقوق كبار السن ، فكبار السن هم الذين أسسوا وعمروا وقدموا التضحيات ، فكيف لا يتم مكافأتهم ورعايتهم ، وكل أفراد المجتمع صائرون إلى هذا المصير، إذا طال عليهم العمر ، وبالتالي يطمئن كل فرد إلى مستقبله ، وينصرف إلى عمله ويؤدي واجبه بإخلاص وتفانٍ ، ولا يقلق على مستقبله إذا ما غدا كهلا مسنا لا يستطيع العناية بنفسه ، فقد وُجد نظام يعتني به ويؤمن له كافة مستلزماته .
إن كبار السن هم الأكثر أولوية بموازنات الحكومات في المجتمعات المسلمة ، فإذا لم تقم الحكومات بدورها عجزا أو عقوقا ، فينبغي أن تتكفل بذلك المؤسسات الوقفية والزكوية والإغاثية ، بحيث تكون المجتمعات المسلمة كالجسد الواحد الذي أخبر عنه نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم .
إن المجتمعات التي لا يُكفل فيها كبار السن ولا يُقدم لهم الرعاية والعناية هي مجتمعات ظالمة فاشلة . لا خير فيها لكبارها ولا لصغارها .

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]