عودة إلى الصفحة الرئيسية

الخطر والمخاطرة في التمويل الإسلامي أ.د كمال حطاب

30 July 2021

من بدهيات الشريعة أنها تهدف إلى التيسير على الناس ورفع الحرج ، ودفع الضرر والضرار ، وبالتالي فإن الخطر إذا كان بمعنى تعريض النفس للضرر والمال للخسارة فهو أمر لا يتفق مع المقاصد الشرعية ، ولكن الشريعة جعلت الغنم بالغرم ، والربح مربوطا بالتجارة والمخاطرة ، وكما هو سائد عند التجار ، الربح الوفير يترافق مع الخطر الكبير ، فهل تصح المخاطرة أو المجازفة أو تعريض المال للخطر مع الأخذ بكافة الوسائل الاحتياطية الضرورية .
مما لا شك فيه أن الخسارة ضرر ، وأن تلافي الخسارة والعمل على تجنبها أمر مطلوب شرعا ، حفظا للمال من الضياع ، غير أن طبيعة الأسواق تقوم على دفع الناس بعضهم ببعض ، كما تقوم على التعاون والمشاحة . ومن هنا فإن التعرض للمخاطرة هو أمر طبيعي يترافق مع انتقال السلع والأموال من مكان إلى آخر ، كما يترافق مع تقلبات الأسواق والظروف البيئية المحيطة بها .
غير أن المخاطرة أو التحوط في شراء الذهب أو النفط أو البتكوين أو غيرها من الأصول التي يزداد عليها الطلب العالمي في الوقت الحاضر ، محفوف بمخاطر شديدة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بها .
إن أسعار العملات والعقود والمؤشرات والخيارات والمستقبليات في الأسواق العالمية محكومة بعوامل ومتغيرات لا يمكن توقعها أو السيطرة عليها ، فهي محكومة بسلوك المضاربين الكبار في العالم والذين يعتمدون على خبراء متخصصين في الرياضيات وفي الهندسة المالية ، من أجل محاولة حصر الاحتمالات المستقبلية لأي خطوة يخطونها في هذه الأسواق المظلمة .
إن سلوك المضاربين الكبار أو الحيتان بلغة البورصات هو الذي يحدد مسار الأسواق ، وهو يختلف عن سلوك معظم المتداولين في الأسواق ( الدببة ) والذين يتبعون الغرائز أو ينقادون وراء الأرباح السريعة .. فهل يمكن لعلم إدارة المخاطر التخفيف من حدة التقلبات التي تتعرض لها قيم الأموال والممتلكات للأفراد والمؤسسات ؟
إن علم إدارة المخاطر يبحث في محاولة تجنب الخطر أو نقله أو تأجيله أو تخفيفه إلى أدنى درجة ممكنة ، وهو يقوم على طرق وأدوات تتضمن قياس الخطر وتحديده ومن ثم تحجيمه من خلال مواجهته ، وقد وجدت تطورات عديدة في هذا العلم مثل معايير بازل ، ونظام كوزو ، ومقياس كاميلز ، وغيرها من المقاييس التي تساعد على تقييم الخطر وقياسه ومحاولة تجنبه أو نقله أو التخفيف من حدته .
ومما لا شك فيه أن علم إدارة المخاطر من منظور إسلامي سوف يكون أكثر ضبطا ودقة وقدرة على مواجهة المخاطر والابتعاد عنها ، لا سيما وأن معظم المخاطر التي تحيط بالأسواق المالية تنبع من التعامل بالمشتقات والمستقبليات والخيارات وتبادل العملات ، والعملات الافتراضية .. وهي في معظمها عمليات مقامرة لا يترتب عليها انتقال سلعة أو بضاعة أو زيادة انتاج ، كما لا يترتب عليها تسليم أو استلام وإنما تقوم على تصفية المراكز بشكل يومي بين الرابحين والخاسرين فهي عمليات مقامرة محرمة ، وبالتالي فإن ابتعاد المسلمين أو المؤسسات المالية الإسلامية عن هذه العمليات سوف يجنبها نصف المخاطر التي تتعرض لها الأسواق .
ومع ذلك فإن المستثمر المسلم أو المؤسسات المالية الإسلامية التي تحرص على الاستثمار الآمن ، ومحاولة تجنب الخطر أو التقليل منه بأكبر نسبة ممكنة تتطلب الإلمام بأدوات الكشف عن الخطر وقياسه ومحاولة تجنبه أو نقله أو التخفيف من حدته .
إن الأخذ بمعيار بازل تستفيد منه المؤسسات الإسلامية وغير الإسلامية ، وكذلك معيار كوزو للرقابة الداخلية الحصيفة ، وكذلك مقياس كاميلز لأهم الأدوات المتعلقة بالاستثمارات المالية .
غير أن ما يميز هذه المؤشرات أو المقاييس اعتمادها الكلي على سعر الفائدة ، نظرا لأنه المؤشر الأول لرأس المال على مستوى العالم ، وهذا ما لا ينسجم مع سلوك المؤسسات المالية الإسلامية المفترض أن يكون بعيدا كليا عن سعر الفائدة . غير أن عدم وجود سعر لرأس المال أو عائد حقيقي إسلامي لرأس المال يضطر المؤسسات المالية الإسلامية إلى التعامل مع ما هو شبيه أو بديل عن سعر الفائدة مثل الليبور وغيره .
إن الإسلام يحث على إنظار المعسرين ، ولكنه لا يسمح بجدولة الديون التي تقوم على زيادة الفائدة ، كما يحث على التصدق في حالة عدم القدرة على السداد .. وهو أمر اختياري ، وهو أقرب للتقوى ، كما أخبر الله عز وجل ..
وهذا المثال يشير إلى أن عملية قياس المخاطر وإدارتها والتعامل معها لا يمكن أن تبنى على عوامل مادية فقط كما هو في المؤسسات الربوية ، بل لا بد من وجود نسبة معينة للعوامل الأخلاقية والإنسانية ، التي تنشر في المجتمع روح التضامن والتكافل، دون أن تسمح بالتغافل أو التواكل ، فمطل الغني ظلم ، يحل عرضه وعقوبته ، ولا تصح الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
إن الأخذ بالعوامل المادية من مؤشرات ومقاييس لقياس الخطر ، هو أمر مطلوب قانونا وشرعا ، غير أن وجود نسبة للجوانب الإنسانية والروحية التكافلية هو أمر مطلوب شرعا ، وينبغي أن يكون مطلوبا في التشريعات والقوانين التي يسير عليها العمل المصرفي الإسلامي .

الاجتهاد الفقهي والاجتهاد الطبي أ.د كمال حطاب

14 July 2021

كشفت جائحة الكورونا عن وجود خلل كبير في منهجية الاجتهاد الطبي ، مقارنة بمنهجية الاجتهاد الفقهي ، فمما لا شك فيه أن الاجتهاد الفقهي الإسلامي له منهجية محددة تعتمد الاستقراء وتحرير محل النزاع وحصر الظاهرة أو المسألة المراد بحثها ومن ثم استعراض آراء الفقهاء وأدلتهم ، وفحص الأدلة ومدى قوتها أو ضعفها وإمكانية قبول الاستدلال بها أو غير ذلك ، ومن ثم النظر في آراء الأولين إذا كانت المسألة قديمة أو لها مثيل في مسائل قديمة .. فإن لم يكن لها نظير في التاريخ ، يوازن بين الآراء والأدلة ومن ثم الوصول إلى الرأي الراجح بمسوغات ومبررات شرعية وعقلية وبما يحقق المصلحة المعتبرة شرعا والمتفقة مع المقاصد الشرعية العليا مع مراعاة الأولويات والمآلات .
إن الاجتهاد الفقهي الإسلامي قد وصل مراحل وآليات متقدمة في فقه الموازنات والأولويات والمآلات ، بحيث يستطيع الموازنة بين المصالح والمفاسد ، وترجيح وتقديم المصلحة على المفسدة وفق قواعد وآليات منضبطة .
كما وصل الاجتهاد الفقهي الإسلامي مراحل متقدمة في علم المقاصد ، والاجتهاد المقاصدي الذي يسعى جاهدا إلى الوصول إلى أحكام تحقق المقاصد الشرعية الكبرى الممثلة في حفظ حياة الناس وحقوقهم وأعراضهم ودينهم وأموالهم .. إلخ
أما الاجتهاد الطبي فلا نجد فيه مثل هذه المنهجية ، وقد رأينا ولا نزال نرى تخبط الجسم الطبي في كل مكان حول فيروس كورونا وطبيعته وانتشاره ومدى تحوره والسلالات الجديدة ، وكذلك حول اللقاح ومدى نجاعته وآثاره الجانبية ومدى خطورته وهل هو آمن للجميع .. إلخ .
ولا نكاد نجد مؤسسة أو هيئة طبية تخرج بقرار مبرر منطقيا أو عقليا أو طبيا ، ففي كل قرار تجد له عشرات بل ربما مئات المعارضين من الأطباء قبل غيرهم .. وبالرغم من مرور أكثر من عام ونصف على ظهور هذا الفيروس لا تزال الآراء الطبية في تضارب شديد ، ففي الأمس فقط خرج علينا وزير الصحة الأردني بأن أخذ جرعة ثالثة من أي لقاح إضافة للجرعتين السابقتين من لقاح آخر هو أمر شخصي يقدره كل شخص وفقا لمصلحته . بينما خرجت اليوم منظمة الصحة العالمية تحذر البشرية من خطورة الدمج بين اللقاحات .
إن هذا التخبط يشير بوضوح إلى عدم اتباع منهجية محددة للوصول إلى القرارات والنتائج في المجالس الطبية الرفيعة ولجان الأوبئة الدولية ومنظمة الصحة العالمية ، مما أدى إلى ضعف ثقة العالم بهذه الهيئات الطبية ، وتضارب مواقف الدول تجاه هذا الفيروس .
إن هذا التفاوت الكبير في الموقف من الفيروس ، ومن لقاحاته يشير إلى عوامل أخرى غير مهنية ، فبينما رأى العديد من الأطباء والهيئات الطبية المعتمدة دوليا أن اللقاحات آمنة ولا مشكلة فيها وأنها واقية من الفيروس ، يرى أطباء آخرون أن هذا الكلام ليس دقيقا وأن هذه اللقاحات لم تأخذ الوقت الكافي للتأكد منها وأنها يمكن أن تكون لها أعراض جانبية خطيرة ، ولعل لقاح جونسون أند جونسون من أكثر اللقاحات التي تعرضت للتحذير منه نتيجة الآثار الجانبية الخطيرة الناجمة عنه.
لماذا تسارع الحكومات بفرض اللقاحات إذا كانت الهيئات والمجالس الطبية غير متفقة على رأي علمي موحد . هل هي ضغوط الشركات ، أم ضغوط الإعلام العالمي ، والدعايات المرافقة ؟ ولماذا تتراجع بعض الحكومات عن بعض الإجراءات وتعتبر المسألة أمرا شخصيا ؟ ولماذا لم نجد للهيئات التشريعية أو المجالس النيابية أو لجان الفتوى رأيا واضحا محترما في هذا الموضوع .
من المؤكد أن معظم دول العالم طبقت توصيات أو وصفات منظمة الصحة العالمية كأعلى هيئة طبية عالمية ، غير أن سلوك هذه المنظمة كان مريبا منذ البداية ، عندما أخرت اعتبار الفيروس وباء حتى شهر آذار 2020 ، كان سلوكها مريبا عندما أوصت باعتبار اللقاحات ثم تراجعت عن بعض اللقاحات، وربما يكون للاعتبارات السياسية نصيب في قراراتها ، والدليل انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة بسبب هذا السلوك المريب .
كان من المفروض مهنيا أن يثبت يقينا لدى الخبراء وممثلي المجالس الطبية بأن هذا اللقاح مفيد صحيا وأن عدم أخذه يسبب ضررا محققا ، أما متابعة الأجهزة الطبية الدولية والمجازفة بأعمار البشر دون اتفاق طبي أو دليل طبي قاطع فهذا مما لا ينبغي العمل به .
إن مئات ملايين البشر الذين أخذوا اللقاح ، تشكلت لديهم قناعة بأنه أخف ضررا من فيروس كورونا ، ولم تكن القناعة تامة بعدم وجود ضرر من هذا اللقاح حتى الآن .
وبناء على ذلك ينبغي أن تستفيد الجهات الفقهية الطبية من علوم الاجتهاد الفقهي في توصياتها الخاصة بالتعامل مع هذا الفيروس .
كما ينبغي على الهيئات التشريعية وجهات الفتوى الشرعية أن تعتمد رأي الهيئات الطبية المهنية المعتمدة ، وتحذر من الأخذ بآراء مريبة تمثل الشركات العالمية ، وقد تكون لمصالح اقتصادية أو سياسية .
ينبغي على جهات الفتوى أن تجتهد في تحري الهيئات الطبية المهنية المعتمدة ، وأن تصدر الفتاوى بعد قناعة تامة ، توضح وتفصل هذه المسألة باعتبار أن حفظ النفس على رأس الضروريات والمقاصد الشرعية العليا ، وأي تهديد للنفس فيه تهديد للحياة جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ..

الرأسمالية المتوحشة أ.د كمال حطاب

11 July 2021

عندما تقف الرأسمالية العالمية وأصحاب رؤوس الأموال مع الصهاينة المعتدين ، الذين يقتلون المدنيين في غزة ، ويدمرون البيوت والأبراج السكنية والإعلامية ، ويقصفون المستشفيات والمدارس وحتى مراكز فحص الكورونا ، عندئذ لا يمكن أن توصف هذه الرأسمالية إلا بأنها رأسمالية مجرمة متوحشة .
عندما تطالب شركات رأسمالية بعض لاعبي كرة القدم أو بعض الممثلين أو الممثلات الذين رفعوا علم فلسطين أو أعلنوا تضامنهم مع فلسطين ، عندما تطالبهم بالاعتذار وتطالب جهات عملهم بمعاقبتهم ، عندئذ لا يمكن أن توصف هذه المطالبات إلا بأنها رأسمالية مجرمة متوحشة .
وعندما يتعاطف الناس مع حرب الإبادة الجارية ضد الفلسطينيين ، على مواقع التواصل الاجتماعي ، وتقوم إدارات هذه المواقع بحذف هذا التعاطف أو التعليقات أو الصور الفاضحة للجرائم الصهيونية . عندئذ لا يمكن أن توصف هذه الإجراءات إلا بأنها رأسمالية مجرمة متوحشة خارجة عن القانون الدولي والإنساني .

في التسعينات قرأت كتاب ” من يجرؤ على الكلام ” لبول فيندلي ، والكاتب هو عضو كونغرس أمريكي فاز بمقعده في الكونغرس ثلاث مرات قبل أن يسمع بفلسطين أو يتعرف على عدالة القضية الفلسطينية ويناصرها ، فلما فعل ذلك خسر مقعده في الكونغرس بعد تدخل اللوبي الصهيوني ضده . يكشف الكتاب عن حجم هذا اللوبي ودوره في حشد الدعم لدولة الاحتلال ، وكيف يُهدّد أعضاء الكونغرس من خلال الشركات الرأسمالية التي تدعم المرشحين أو تحجب الدعم عنهم ، إذا لم يكونوا مناصرين للصهاينة . إنها شركات رأسمالية مجرمة .
للمرة الثالثة خلال أقل من عشر سنوات ، تتكرر جريمة الإبادة الوحشية في غزة أمام مرأى العالم وسمعه .. إبادة للبشر والشجر والحجر ..
للمرة الثالثة تتكشف عدالة ما يطلق عليه الشرعية الدولية التي ترى بعين واحدة ، وتكيل بمكاييل متعددة ، العدالة التي تدين الضحية وتقف مع المجرمين .
للمرة الثالثة تكتشف شعوب العالم ، كم هو حجم التغول الصهيوني على مراكز صنع القرار في العالم ، وكم هي هذه المراكز ظالمة ومتحيزة ، لا يهمها سوى تحقيق مصالحها ، بعيدا عن المعايير الأخلاقية أو الإنسانية .
أكثر من 700 قرار من قبل مجلس الأمن والأمم المتحدة تدين دولة الاحتلال ، ومع ذلك لم يطبق منها أي قرار ..
ولعلها المرة الأولى التي ترى شعوب العالم ما يجري في فلسطين من جرائم وحشية ، دون أن تتمكن الأدوات الإعلامية للصهاينة من تغطية الحقيقة ، ولعلها المرة الأولى التي يتعاطف معظم شعوب العالم في مختلف القارات مع القضية الفلسطينية ، وتطالب بإحقاق الحق ، وتحرير فلسطين .
غير أن أثر هذا التعاطف لم يكن على قدر الجرائم الوحشية التي ارتكبت ، إن المطلوب في حده الأدنى هو مقاطعة الشركات الرأسمالية الداعمة للصهيونية ، وفضح أصحاب هذه الشركات الذين يتظاهرون بالإنسانية والرحمة ، وهم في الحقيقة أول من يدعم السلوك الإجرامي للصهاينة ، وبالتالي هم شركاء في الجريمة يجب معاقبتهم والتشهير بهم وبشركاتهم .
أفرزت الحرب الأخيرة ما أطلق عليه النضال الإلكتروني عندما تحول معظم الناس في فلسطين وغيرها إلى مناضلين على مواقع التواصل الاجتماعي يدعمون الحق ويقفون ضد المعتدي ، وقد برز عدد من النشطاء في فلسطين والعالم في هذا المجال ، إن المطلوب أن تتحول فلسطين إلى برامج تلفزيون الواقع عبر كافة المنصات من أجل فضح المعتدين ومن يناصرهم من شركات رأسمالية كبرى ، وكشف الحقيقية بشكل دائم .
إن المطلوب في المرحلة القادمة التركيز على رحيل الاحتلال وإعادة الحق إلى أصحابه ، فهذا الاحتلال لا يعرف سوى لغة المقاومة ، ولا يخضع إلا لمن هو أقوى منه عسكريا ، وإعلاميا ، وإلكترونيا ، وتفاوضيا .
إن القوة التفاوضية هي سلاح مهم عندما تكون بأيدي الضاغطين على الزناد .. أما إذا كانت بأيدي المتاجرين بالقضية واللاهثين وراء مصالحهم فإنها لن تحقق شيئا سوى الخزي والعار والخيانة .

الغربة وجائحة كورونا ا. د كمال توفيق حطاب

09 July 2021

الغربة في ظل انتشار الكورونا شديدة ومؤلمة ومختلفة عن الغربة دون الكورونا، فالكورونا وحدها وما رافقها من ترهيب إعلامي عالمي كانت ثقيلة جدا، فأضافت الكورونا إلى الغربة ألما على ألم.
عندما يغيب الإنسان عن بلده فإنه يشتاق إلى كافة ربوع بلده، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، يشتاق إلى كل الناس، كل شارع ، كل شجرة وكل حجر، .. ، ويتطلع إلى أخبار البلد بالكامل، وينظر إلى نفسه وكأنه الوحيد الذي يمثل بلده في الخارج، وعندما يعود، وما أن يدخل المطار حتى يجد نفسه فردا بين جموع الأفراد ورأسا بين الرؤوس، ورقما بين الأرقام .. فينغمس بمشكلات الناس وقضاياهم وتأوهاتهم وشكاواهم، ونصائحهم وتعليقاتهم .. لماذا رجعت؟ خليك في الخارج .. الحياة لا تطاق، الفساد .. الحرامية .. المحسوبية .. الوظائف الواسطة .. أزمات الطرق .. الباص السريع .. الخ .. وما هي إلا ساعات أو أيام حتى يتشكل في العقل والقلب إحساس بضرورة المغادرة .. والفراق من جديد .. هكذا عشنا ما يقارب الثلاثين عاما في الغربة.
إن غربة الكورونا في الوقت الحاضر، كانت هي الأشد، حيث فرضت أحكاما جديدة .. ومع الإغلاق وتعطل المطارات وفحوص البي سي آر .. أصبح التنقل بطيئا .. ومع انتشار العدوى .. مكث الناس في بيوتهم بانتظار الفرج، فضاعفت آلام الكورونا من آلام الغربة ..
ولا يزال العالم يترقب مصير الكورونا وسلالاتها المتحورة، ومصير مليارات البشر الذين تلقحوا أو ينتظرون التلقيح، الكل يترقب تعاليم منظمة الصحة العالمية بتخفيف إجراءات الحظر، ورفع الإغلاق الجزئي، والانتقال إلى المرحلة الخامسة، حيث يمكن فتح الأسواق والصالات والمطاعم والفنادق والمطارات وكل شيء تقريبا، بحيث تعود الحياة إلى طبيعتها، مع الالتزام بالشروط الصحية العامة، فهل سيتحقق ذلك؟
المراقب لسلوك الشركات العالمية لا يتوقع أن تكتفي هذه الشركات بما حققته من أرباح عبر بيع المستلزمات الطبية واللقاحات والأجهزة الطبية، ولا بد لهذه الشركات أن تجد المبررات لجعل التطعيم دوريا، كل سنة على الأكثر، وربما كل ستة شهور ..
المراقب لسلوك هذه الشركات لا يرتجي منها خيرا ، فهي شركات رأسمالية مادية ،هدفها الأكبر هو تحقيق الأرباح ، ولو أدى ذلك إلى وفاة ملايين البشر ، ومع ذلك وفي ظل انتشار هذا الوباء فلا يملك الناس إلا التداوي والأخذ بالأسباب ، وبالأحوط ، وأخف الضررين ، ولا يملكون إلا أن يسيروا مع القطيع أو مع تحقيق مناعة القطيع ، كما يقولون .
هل ستتعافى المجتمعات وتعود إلى وضعها الطبيعي في فترة قصيرة ؟.. هل ستتراجع معدلات الإصابة بالمتحورات والسلالات الجديدة ؟ هل سيزداد الناس التزاما ومصداقية ورجوعا إلى الله ؟ هل ستنخفض معدلات الجريمة والاعتداء ؟ وتنخفض مخالفات وحوادث السيارات ؟
إن الدراسات والاستطلاعات تشير إلى الأسوأ ، فمع تدهور الحياة الاقتصادية لدى الشعوب ، يلجأ الناس إلى أساليب من الانتهازية والاحتيال بشكل غير مسبوق ، ومع ازدياد معدلات الفقر تزداد معدلات الجريمة والفساد كما هو معروف في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ، ومع حياة الحظر والحجر يزداد الاكتئاب والقلق والأمراض النفسية مما يزيد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
نسأل الله أن تكون الاستطلاعات والدراسات الاقتصادية والاجتماعية خاطئة ، وأن يتحقق التعافي في كافة مرافق الحياة ، وتعود البشرية إلى سابق عهدها، وتعود حركة الطيران، ويرجع الناس إلى بلدانهم، ويلتقوا أحبابهم، وتستمر الانتقادات، ويستمر السفر والاغتراب، وهذه هي سنة الحياة.

الفتاوى المعتبرة والفتاوى الشاذة أ.د كمال حطاب

05 July 2021

الفتاوى المعتبرة والفتاوى الشاذة
أ.د كمال حطاب
عندما تكون الفتوى صادرة عن اجتهاد فقهي أصيل، متجردة عن المصالح والأهواء والضغوط، بعيدة عن المزايا والمكافآت والحوافز المادية، يمكن القول بأن هذه فتاوى معتبرة محترمة ..
أما إذا كان الحال غير ذلك فإن هذه الفتاوى تكون محفوفة بالشبهات وربما تكون فتاوى مضللة أو باطلة، وعلى سبيل المثال فمعظم الفتاوى التي نصت على عدم ربوية الفائدة المصرفية، نجدها قد صدرت عن علماء يشغلون مناصب سياسية .. أي علماء سلطة، وهؤلاء في معظمهم واقعون بين ضغوط سياسية ومزايا مادية يخشون فواتها، وبالتالي فإن فتاواهم ليست معتبرة عند كافة العلماء المعتبرين في هذا العصر ..
ويصدق نفس القول على بعض فتاوى الكورونا في الوقت الحاضر، حيث نجد معظم الفتاوى التي بررت للحكومات إلغاء صلاة الجمعة، وصلاة الفجر في المساجد، بحجج واهية، يعترض عليها كثير من أهل الاختصاص الطبي، قبل أهل الاختصاص الشرعي.
من الأمور البديهية في الإفتاء، وخاصة في فتاوى رمضان، أن الفتوى الشرعية تكون مبنية على الرأي الطبي، فإذا قال الطبيب بأن الصوم سيؤدي إلى ضرر محقق على الصائم، عندها فإن المفتي يصدر فتواه بالترخيص بالإفطار، وحرمة الصوم في هذه الحالة، فمن أساسيات دين الإسلام قوله تعالى “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” (الحج، 78)، وقوله صلى الله عليه وسلم “لا ضرر ولا ضرار”. وكذلك كانت قرارات مجمع الفقه الإسلامي الخاصة بالأمور الصحية والطبية مبنية على رأي خبراء الطب والصحة.
فلماذا لم تكن فتاوى الكورونا كذلك، ولماذا تغولت الحكومات على جهات الفتوى، ولمصلحة من يصدر قرار إلغاء صلاة الجمعة على المسلمين، وكذلك صلاة الفجر، وصلاة العشاء، وكذلك إغلاق المساجد؟
إن الاجتهادات والفتاوى المحترمة لا يجوز أن تكون خاضعة للقرارات الحكومية، وإنما تكون القرارات الحكومية تابعة لها، كما لا يجوز أن تخالف إجماع الأمة، أو تخالف رأي خبراء الطب والصحة.

وقد يقول البعض إن هذه الفتاوى هي اجتهادات محترمة، وينبغي أن نحسن الظن بجهات الفتوى رسمية كانت أو أهلية، وأقول إن هذه المسائل ليست مسائل اجتهادية حتى نقر بالاحترام لأهل الإفتاء، وإنما هي محل إجماع المسلمين خلال أربعة عشر قرنا، ولم يجرؤ أحد من المفتين أو الحاكمين في التاريخ على إصدار قرار بإلغاء صلاة الجمعة أو إلغاء صلاة الفجر في المساجد، بل إن الثابت تاريخيا أن الناس كانوا يتوجهون إلى المساجد عند وقوع البلاء، يتضرعون إلى الله حتى ينكشف البلاء، عملا بقوله تعالى ” فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنعام: 43].
فالمسألة إذن، هي في خضوع بعض المفتين لضغوط سياسية أو اقتصادية، وبالتالي فإن الرأي الشرعي أو الفتوى تكون متأثرة بهذه الضغوط والمصالح، وعندها فلن تكون هذه الفتوى معتبرة. حتى يتحرر المفتون من هذه الضغوط والمناصب التي تكبلهم وتكمم أفواههم.
إن المطلوب من جهات الفتوى في كل بلد، أن تحصن نفسها ضد الفتاوى الشاذة، بأن تضع معايير لاعتماد الفتوى أو رفضها، ومواصفات لمن يحق له الإفتاء، وفي حالة رفض أي فتوى يطالب صاحبها بالرجوع عنها، قبل أن يتم شطبه من قائمة المفتين أو عضوية المجالس الخاصة بالإفتاء، أو وضعه على القائمة السوداء في مؤسسات الأوقاف والشؤون الدينية.
إن المطلوب في كل بلد إسلامي إيجاد جهاز فتوى مهني مستقل، أشبه بالمحكمة الدستورية ، بحيث تكون قراراته أعلى من قرارات الحكومة وقرارات لجان الفتوى الرسمية، بحيث يمكنه شرعا وقانونا إلغاء أي قرار أو فتوى شاذة تلحق الضرر بالمجتمع أو تتسبب بالحرج أو الفتنة بين الناس.

All Rights Reserved © www.KamalHattab.info  |  [email protected]